الصفحة 223 من 1760

عن اقتناع ويقين ونتيجة بحث وتدبر (ومنهم من كفر) بالله ولم تنفع فيه الآيات والنذر لأنه أعرض عن قبول ما جاؤوا به ونشأ عن هذا تقاتلهم (ولو شاء الله ما اقتتلوا) أي ولو أن مشيئة الله أو دستوره كان يقضي بمنع القتال بين الناس لسلبهم القوة التي يستطيعون بها القتال (ولكن الله يفعل ما يريد) وقد قضت إرادته سبحانه وتعالى أن يكون الناس متفاوتين في العقول ودرجة الإدراك وأوجد في النفس حب الانتصار للرأي ومنح الناس من القوة ما يساعدهم على تأييد حججهم بكل ما في استطاعتهم فنشأ ما نشأ من القتال.

وعلى ذكر التقاتل والتخالف الواقع بين الناس أخذ يوجه الله سبحانه وتعالى نظر المؤمنين إلى وسيلة مادية فعالة يمكن بها تأليف القلوب وتقوية أواصر الود بين الناس فقال (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا) أي كونوا متصفين بالإنفاق، واتخذوا الجود والكرم ديدنا لكم في هذه الحياة تأسروا بذلك القلوب، وتذللوا الخطوب، وتحصلوا على رضاء علام الغيوب (مما رزقناكم) أي ولا تكلفوا أنفسكم في هذا الباب بالمعدوم بل أخرجوا ما هو في قبضتكم وتحت تصرفكم مما أنعمنا به عليكم من مال وجاه، فإذا أنعمنا على أحدكم بالجاه فعليه ألا يضن به على من هو في حاجة إليه (من قبل أن يأتي يوم) رهيب هو يوم القيامة (لا بيع) وقرئ بفتح العين (فيه) لا تملكون فيه شيئًا من موارد النفقة (ولا خلة) أي صداقة ومحبة وقرئ بفتح التاء أي وليس هناك من يرجي منه العون والنصر من صديق أو قريب (ولا شفاعة) أي وساطة وقرئ بفتح التاء أيضًا لأنه ليس لأحد ثم جاه، ولا سلطان، وإنما الملك لله الواحد القهار (و) يكون فيه (الكافرون) بأنعم الله وهم الذين لم يستطيعوا استغلالها والاستفادة منها في سبيل البر وأعمال الخير (هم الظالمون) لأنفسهم بتدنيسها برذيلة البخل، ومنع العطاء عن المستحقين مما سبب حرمانهم من ثواب الإنفاق ورضوان الله.

بعد أن أمر الله المؤمنين بالإنفاق في سبيله قبل أن تختلف أوضاع الحكم في الحياة الدنيا إذ يصبح الحكم في الآخرة لله وحده الذي لا يحابي ولا يظلم وليس له صاحب يشفع أو وزير ينفع أو صاحب يرشي ولا ينفع عنده إلا ما قدم الإنسان لنفسه أراد سبحانه أن يذكرهم بذاته العلية، ليخلصوا له العبادة، ويحصروا فيه وحده كل الآمال، ويتجنبوا كل ما من شأنه أن يؤدي إلى الشرك به أو انتظار المدد من سواه عاجلًا أو آجلًا فقال (الله) أي اذكروا أن الله الذي أدعوكم إلى الإنفاق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت