بعد أن أخبر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه بطرف من قصص من مر من الأمم السابقة مع رسلهم وقال له سبحانه وتعالى في نهاية الآية السابقة من الجزء الثاني «تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين» .
أخذ يبين له أن أولئك الرسل على ما كانوا عليه من الفضائل وعلو الدرجات وما اختصهم الله به من المعجزات، وما أيدهم به من الأخبار بالمغيبات لم يكونوا متساوين في الدرجات عنده جل وعلا حيث قال (تلك الرسل) المشار إليهم في الآية السابقة (فضلنا بعضهم على بعض) مع تساويهم في أداء الرسالة فكان (منهم من) فضل على غيره بأن (كلم الله) بضم الهاء وقرئ بفتحها وقرئ (كالم الله) بفتح الميم والهاء بغير سفير، وهو موسى عليه السلام (ورفع بعضهم درجات) في أعين الناس بأن اختصهم سبحانه وتعالى بخصائص ومميزات لم تكن لسواهم، حيث اتخذ إبراهيم خليلًا وجمع لداود الملك والنبوة، وسخر لسليمان الإنس والجن والطير والريح، وأسرى بعبده محمد إلى السموات، وأوحى إليه واجب الصلوات، وجعل رسالته عامة للإنس والجن وشريعته آخر الشرائع صلى الله عليه وسلم.
(وآتينا عيسى بن مريم البينات) إذ جعلنا من حمله وولادته ونطقه في عهد الطفولة آيات تدل على عظيم قدرة الله، وأجرينا على يده بعض أمور وهي من اختصاص الربوبية، فصار يبريء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله حتى ألهه قصار النظر من أتباعه (وأيدناه) في الدعوة (بروح القدس) الذي هو واسطة الاتصال بين الله والرسل والذي به يعرفون عن أنفسهم أنهم على الحق فكان على أتباعهم أن يؤمنوا بهم جميعًا ويهتدوا بهديهم ولا يختلفوا فيما أوضحوه لهم من الأحكام (ولو شاء الله) أي لو أن مشيئة الله أو دستوره في خلقه كان يقضي بتساوي الناس في الفهم والإدراك وتقبل الهداية (ما اقتتل الذين) جاؤوا (من بعدهم) أي من بعد إرسال الرسل من أجل الإيمان بهم وانقسامهم إلى مصدق ومكذب (من بعد ما جاءتهم) من ربهم (البينات) أي الدلائل القائمة على أنهم رسل الله (ولكن اختلفوا) في تقبل الهداية الإلهية بحسب تفاوت القوى العاقلة فيهم لأن سنة الله في خلقه قد قضت بهذا الاختلاف كما قال تعالى في آية أخرى: {ولو شاء ربك لهدى الناس جميعًا ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} (فمنهم من آمن) بالله