الصفحة 1717 من 1760

قلل عليه الرزق ليختبر مبلغ صبره ولجوئه إلى الله في طلب المزيد: {فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} أي يعتبر ذلك إهانة موجهة من الله إليه فيناصب ربه العداء ويجحد ما له عليه من نعمة السمع والبصر والصحة والعلم وغيرها من الآلاء،: {كَلاَّ} أي ليس الأمر كما يتصورون فليست الثروة والجاه معيارًا لحب الله للخلق يكرم الله بها من يصطفي من عبيده ويحرم منها من يغضب عليه فكل هذا خطأ في الفهم بل إن هناك من الأنظمة الاجتماعية الخفية ما جعلها الله أسبابًا حقيقية للسعادة والهناءة في هذه الحياة وتعد هذه الأسباب في مقدمة الأسس العمرانية في نظام الحياة الاجتماعية والسبيل الوحيد للوصول إلى السعادة الحقيقة للإنسان وهي إنما تتحقق بقواعد عليا إذا ما طبقت نالت الأمم سعادتها وهناءتها وشعرت بلذة عيشها ورفاهيتها وزال عنها كل أسباب الشقاء وما يولد لها المتاعب والأزمات، فبها يقدم كل شخص ما استطاع لخدمة المجتمع عن رغبة ورضا وبها تتوفر الثقة التي من شأنها أن تغرس الحب في النفوس وتؤدي إلى تداول الثروة بين الناس فيعمل الجميع في جو مشبع بالود والإخلاص حتى ينمو ويستفيض ويغمر جميع الطبقات فلم يعد متركزًا في طائفة دون أخرى ولم يبق فارق بين الرأسماليين والعمال حيث يقضي على ما بينهم من روح البغض والشحناء وينتزع من صدورهم غريزة القسوة والاستبداد وتحل محلها رحمة الإنسان بأخيه الإنسان، هذه القواعد العليا التي ربط الله بها السعادة والشقاء في الحياة الدنيا وجعل تفاوت الأفراد في تطبيقها سبيلًا إلى الثروة وعلو الدرجات بين الشعوب تنقسم إلى أربعة أقسام: اثنان موجبان، واثنان سالبان، فأما السالبان فهما عدم إكرام اليتامى وعدم عون من هو في حاجة إلى العون وقد أشار إليهما الله بقوله: {بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} وأما الموجبان فهما منع الحقوق عن أصحابها وحبس الأموال عن التداول فيما خلقت له وقد أشار إليهما بقوله: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} . فالرزق لا يكثر والسعادة لا تتم إلا عند إكرام اليتامى وعون المساكين ولا يقل المال وتنتفي السعادة الحقة إلا باغتصاب حقوق الآخرين والتكالب على جمع المال واكتنازه، ولتحقيق الغرض الأول عني الإسلام في مواضع كثيرة بأمر اليتامى وأوضح سبيل إكرامهم بإصلاح أمورهم وعدم التعالي عليهم حيث قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت