{وَفِرْعَوْنَ} حاكم مصر في عهد موسى عليه السلام: {ذِي الأَوْتَادِ} أوتاد الأرض جبالها أي الذي أقام في الأرض أهرامات تضاهي الجبال: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ} أي تكبروا وتمردوا على الله فأنكروا قدرته وسلطانه عليهم واعتدُّوا بأنفسهم فلم يخضعوا لأوامره ولم يصدقوا رسله: {فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} بارتكاب كل أنواع المنكرات دون أن يكون لهم من أنفسهم وازع ولا من خوف الله رادع: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ} أي أفرغ وأنزل عليهم في الدنيا: {رَبُّكَ سَوْطَ} السوط ما يضرب به العصاة في الدنيًا تأديبًا لهم: {عَذَابٍ} وهو كل ما شق على الإنسان أي أن مشيئة الله قد قضت بإنزال أنواع من العقوبات على الطغاة المفسدين جزاء طغيانهم وفق دستوره الذي جعل الجزاء مقابلًا للجرم فالمتكبر لا بد أن يذله الله والظالم لا بد أن يبلى بأظلم وهو سبحانه يعامل كلًّا بما يستحق سواء أظهر للناس كما عرف عن قوم عاد وثمود وفرعون ومن نحا نحوهم من الملوك المستبدين أم لم يظهر للناس ولكنه لا يخفى على الطغاة أنفسهم إذا ما حاسبوا أنفسهم واستعرضوا ماضيهم وتذكروا سيئاتهم ومساوئهم.
{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وإن نسوها أو تناسوها وقد فصل الله في سورة الحاقة ما حاق بعاد وثمود إذ قال: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ} ، وقال عن فرعون وقومه وأضرابهم في سورة الأنفال: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ} ، وبمقتضى هذا فقد يتطرق إلى بعض الأذهان أن عدم انتقام الله من بعض الظالمين أو إمدادهم من الحياة بأنواع من النعم دليل على حب الله لهم وكرامتهم عنده فأراد سبحانه أن يصحح هذه الأفكار الخاطئة بما يشير إلى أن نعيم الدنيا وعدمه ما هو إلا ابتلاء من الله لعباده وأنه سبحانه وتعالى قد سن للحياة سننًا كونية مطردة وأنظمة اجتماعية خفية يترتب عليها سعادة للناس وشقاؤهم في هذه الحياة فقال: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ} اختبره ليتبين مبلغ تقديره لنعمة الله عليه بأدائه ما عليه من واجبات: {فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ} في الحياة بمختلف أنواع الإكرام والنعم: {فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ} أي يحسب أن ما ناله دليلًا على كرامته عند الله فيذهب مع هواه ويتبع لذاته ويحسب أنه سوف لا يعذب على أعماله: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} أي