وقال الفخر الرازي ليس المراد من هذه الآية أن لا يطلع الله أحدًا على شيء من المغيبات إلا الرسل بل المراد أنه تعالى لا يطلع على وقت وقوع القيامة أحدًا غير الرسل لأن الآية جاءت إثر قوله: {وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون} وأيد رأيه بما ثبت أن الله قد يطلع غير الرسل على شيء من الغيب كأقوال بعض الكهنة قبل عهد النبي وبعده وأقوال معبري الرؤيا وأصحاب الإلهامات الصادقة، وإن السحرة والمنجمين قد تطابق أقوالهم الواقع وإن كانوا يكذبون في كثير منها وإذا كان ذلك مشاهدًا ومحسوسًا فالقول بأن القرآن يدل على خلافه مما يجر الطعن إلى القرآن وذلك باطل، وعندي أن الآية صريحة في أن المراد هو إثبات علم الله بجميع المغيبات من كل ما وراء هذه المرئيات المحسوسة من مخلوقات حيوانية وقوى روحية وسنن طبيعية وأسرار ذرية وغير ذلك من العلوم الأخرى وليس في هذا ما يمنع أن يمنح الله أحدًا من خلقه مؤمنًا كان أو مشركًا شيئًا من العلم ببعض هذه المغيبات عن طريق البحث والاكتشاف كما حصل فعلًا مما هو مشاهد وغير منكور، يدل على هذا أنه تعالى لم ينف إظهار أحد من عباده على مطلق الغيب بل قال على غيبه أي ما اختص سبحانه ذاته العلية بعلمه في الأزل من المغيبات التي فصلها في سورة لقمان بقوله: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} فهذه المغيبات الخمسة التي اختص الله بها ذاته لا يظهرها جل وعلا إلا لمن ارتضى من رسول، ومن أجل هذا قال الله في آخر الآية السابقة: {أم يجعل له ربي أمدًا} وقد كان وحده الله الأمد وأظهره لرسوله الذي ارتضاه بما أخبر به عليه الصلاة والسلام من أشراط الساعة المتعددة المرتبة بعد أن كانت مجهولة على الناس وكانوا يتوقعونها في كل لحظة لقوله تعالى في صدر الآية: {قل إن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون» وقال تعالى في سورة الأعراف: لا تأتيكم إلا بغتة} .
{فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا} أي أنه تعالى إذ يظهر رسوله على شيء من المغيبات الخاصة به يحوطه بسياج من الملائكة التي تحول دون تسرب ذلك السر إلى أحد سواه: {ليعلم} أي الرسول وقرئ: {ليعلم} على البناء للمجهول: {أن قد أبلغوا رسالات ربهم} أي أن أولئك الذين نقلوا إليه شيئًا من المغيبات الخمسة عن الله تعالى قد أدوا الرسالة وكانوا «أمينين» عليها: {وأحاط بما لديهم} أي أن الرسول قد علم بما لديهم من تلك الأخبار: {وأحصى كل شيء} نقلوه