يعلم الغيب إلا الله وأنه لا قوة إلا بالله ولا يقضي الحوائج أحد سواه آمنوا بأن ذلك القليل من الجن إنما زاد بصنيعه بعض الإنس إثمًا وضلالًا.
الحقيقة السادسة قولهم: {وأنهم ظنوا كما ظننتم} أيها الكفار من الإنس: {أن لن يبعث الله أحدًا} أي أنهم أنكروا البعث والحساب والعقاب ولكنهم لما سمعوا القرآن آمنوا بصحته من الأدلة المتعددة المذكورة فيه.
الحقيقة السابعة قولهم: {وأنا لمسنا} لمس الشيء طلبه واتصل به: {السماء فوجدناها ملئت حرسًا شديدًا} الحرس اسم مفرد في معنى الحارس كالخدم في معنى الخادم ولذلك وصف بشديد أي الذي يتولى حراسة أجواء السماء ويحول دون تسرب الأخبار منها: {وشهبًا} جمع شهاب وهو كل مضيء متولد من النار بمعنى أنهم لاحظوا ازديادًا في عدد الحراس وكثرة في الأضواء أخرج أحمد والترمذي والنسائي عن ابن عباس أنه قال «كان للشياطين مقاعد في السماء يستمعون فيها الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا فأما الكلمة فتكون حقًّا وأما ما زادوا فيكون باطلًا فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم فذكروا ذلك لإبليس فقال لهم ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا يصلي بين جبلين بمكة فأتوه فأخبروه فقال هذا هو الحدث الذي حدث في الأرض» .
الحقيقة الثامنة قولهم: {وأنا كنا} فيما مضى: {نقعد عنها} أي من السماء: {مقاعد للسمع} أي في أماكن خاصة نسترق منها الأخبار: {فمن يستمع الآن} أي فمن رام الدنو من تلك الأماكن بقصد الاستماع: {يجد له شهابًا رصدًا} الرصد: جمع راصد وهو من يقعد بالمرصاد للرقابة بمعنى أنه يجد أمامه من قوة الإضاءة ويقظة الحراس ما يحول دون أمنيته.
الحقيقة التاسعة قولهم: {وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدًا} أي أنهم لا يعلمون السر في زيادة الحراسة وكثرة الأضواء والحيلولة دون تسرب الأخبار من العالم غير المنظور إلى العالم المنظور وبعبارة أخرى إخفاء أمر الغيب عن بني الإنسان هل يقصد به إضرارهم ووقوعهم في المصائب والويلات على غرة من حيث لا يشعرون: {أم أراد بهم ربهم رشدًا} الرشد ضد الغي أي الاستقامة على طريق الحق بمعنى أن الله تبارك وتعالى بإخفائه أمر العلم بالمغيبات عن عباده إنما أراد بهم اتباع ما يدعوهم إليه من الصراط السوي الذي فيه خيرهم ونجاحهم