القرآن في النفوس حتى إن بعض الجن على ما عرف عنهم من تمرد لما سمعوا القرآن الكريم وعلموا أنه من كلام الله اهتدوا به وظهر لهم من دراسته الحقائق الآتية التي حكاها الله بقوله: {فقالوا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا} أي خارجًا عن أشكاله ونظائره مما سبقه من الكتب السماوية: {يهدي} بأسلوبه وآياته وأدلته العقلية القاطعة: {إلى الرشد} وهو الإيمان بوحدانية الله الخالق لجميع الكائنات والمدبر لشئونها: {فآمنا به} أنه كلام الله الذي يسمو عن كلام البشر: {ولن نشرك بربنا أحدًا} أي بعد ما جاء فيه من أدلة تثبت ذلك ولا تقبل الريب ولا تبقي في النفوس أي شك.
الحقيقة الثالثة قولهم: {وأنه تعالى جد ربنا} الجد أبو الأب وأبو الأم وأن علا والرب: المالك والمعبود بمعنى أنه أصل الأصول ومصدر الربوبية ورب الأرباب أو الرب الأصلي الذي تنسب إليه جميع الأرباب مع أنه: {ما اتخذ صاحبة} حتى يأتي بالولد: {ولا ولدًا} إذ هو ليس في حاجة إليه.
الحقيقة الثالثة قولهم: {وأنه كان يقول سفيهنا} السفه الجهل ورداءة الخلق نقيض الحلم وحسن الخلق: {على الله شططًا} الشطط مجاوزة الحد في الظلم بمعنى أنهم كانوا لا يعرفون شيئًا عن ذات الله وصفاته وكانوا يحسبونه شخصية مجسمة أو عينًا من الأعيان المادية فلا يدركون عظمته ولا يتصورون سلطانه ويخوضون في الكلام عنه بأقوال كثيرة ولكنهم عند ما سمعوا القرآن آمنوا بأنه ليس كمثله شيء وعرفوه بصفاته وآلائه فأيقنوا أن كل ما كان يقال عنه جل وعلا ما هو إلا شطط مرده إلى جل بالحقائق وضلال مبين وعدم معرفة بالله رب العالمين.
الحقيقة الرابعة قولهم: {وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبًا} أي أنهم ما كانوا يتصورون إمكان إقدام أحد من مخلوقات الله على الكذب على خالقه فلما سمعوا القرآن علموا أن من عباد الله من تجرأ عليه ومن أجل هذا جاء القرآن متوعدًا لهم بالعذاب الأليم.
الحقيقة الخامسة قولهم: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادهم رهقًا} أي أن هناك صلات ما بين الإنس والجن تحمل بعض بني الإنسان على الاستعانة ببعض الجن في استخدامهم والاستعانة بهم لاكتشاف الأسرار وقضاء بعض المصالح وكان هؤلاء بدورهم يكذبون عليهم ويوهمونهم أنهم قادرون على قضاء مصالحهم ولما سمعوا القرآن وآمنوا بأنه لا