وتوعد الكافرين بأنواع العذاب في الآخرة مع قدرته تعالى على التعجيل به في هذه الحياة وضرب الأمثال على هذا بقصة نوح وقومه ثم أخذ سبحانه وتعالى في هذه السورة يبين ما للقرآن من تأثير عظيم في نفوس سامعيه من الإنس والجن وكل من رام لنفسه الهداية إلى آخر الزمن إذ هو كلامه القديم تنزيل من حكيم عليم وقد جعله لله سبيل الهداية إلى الطريق المستقيم الذي ينشده كل منصف حكيم فيصغي لكلماته ويتدبر معانيه ويحكم عقله وضميره النزيه في ما حواه من حجج وآيات بينات لا تتفق والشعوذة والخرافات التي لا يقرها من جرد نفسه عن التعصب لما كان عليه الآباء أو ما نسب كذبًا إلى الأنبياء فقال: {قل} يا أيها الرسول إنه: {أوحي إليَّ} خبر ما كنت أعلمه لولا أن أخبرني الله به وهو: {أنه استمع نفر من الجن} إلى هذا القرآن وقد اختلف الناس قديمًا وحديثًا في ثبوت الجن ونفيهم وذهبوا في تعريفهم وبيان حقيقتهم مذاهب شتى والحقيقة التي لا مراء فيها والتي أثبتها العلم هي أن الله تعالى الخالق للمخلوقات المادية قد خلق إلى جانبها عدة مخلوقات من ذوات الروح منها ما دق حتى لا يمكن أن نراه بالعين المجردة ومنها ما لطف وصفًا حتى لا تكاد تصل العقول إلى معرفة حقيقته ومن هذه المخلوقات خلق يقابل الإنسان يقال له «الجان» قال تعالى: {خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار} وهما المعنيان بقوله تعالى: {سنفرغ لكم أيها الثقلان} فلا محل لإنكارهم بعد أن أثبت الله وجودهم وإنما سميت الجن جنًّا لاجتنانهم واختفائهم عن الأبصار كما سميت الجنة جنة لستر ما فيها وسمي الجنين جنينًا لستره في بطن أمه وقد عرفهم لنا الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله «الجن أنواع منها ما هو من الحشرات وخشاش الأرض» إشارة إلى أنه يطلق على كل مضر ومؤذ من المخلوقات الخفية ودلنا عليهم بتأثيرهم المحسوس في حياتنا المادية حيث قال «الطاعون وخز أعدائكم الجن وهو لكم شهادة» الأمر الذي لم نكن نتصوره من قبل حتى كشف لنا العلم الحديث عن عالم الميكروبات التي تتولد من المائعات والفواكه وتسبب التغيرات والاختمارات وتؤدي إلى الأمراض والأوبئة التي منها الطاعون والكوليرا مما لا يدع مجالًا للشك في وجود الجن ومدى تسلطهم في جسم الإنسان وحسبنا أن نصفهم بما وصفهم به الله من أنهم عالم كعالم الإنسان لهم نفوس كنفوس البشر إن منهم من هو محل الطاعة والعصيان يسمعون أحاديث الناس ويأخذون بأقوالهم وأقوال أنبيائهم كما أوحى الله لنبيه بذلك في صدر هذه السورة في معرض التدليل على قوة تأثير هذا