استثنى الله من بني الإنسان، من اتصف بخلال ثمانية، أولها قوله: {إلا المصلين} أي الذين فرضت عليهم الصلاة فلم يكتفوا فيها بمجرد الأداء، بل أقبلوا عليها بشغف وحب زائد باعتبارها هي سبيل الاتصال بمالك الأرض والسموات، يقف فيها العبد بين يدي مولاه كل يوم خمس مرات يتجه إليه بقلبه، ويخضع ويذل بجوارحه، ويسأله ما هو في حاجة إليه وهو واثق بنيل ذلك منه. وبهذا تكمل المعرفة ويتم اليقين ويجتمع له صلاح الدنيا والدين ويصدق عليه أنه من المصلين: {الذين هم على صلاتهم دائمون} ومن كان هذا شأنه يستوي في نظره الشر والخير على حد قول من قال:
@إذا ما رأيت الله لكل صانعًا
#رأيت جميع العالمين ملاحا
فإذا أصيب بكارثة أو حلت به مصيبة لم يجزع لأنه يعلم أن الجزع لا يجديه شيئًا بل عليه أن يعمل للتخلص منها باتخاذ الأسباب مستعينًا بالله لإدراك الغايات. وإذا أنعم الله عليه بنعمة، أدرك أنها من فضل الله فبادر إلى شكرها باستعمالها فيما خلقت له: الصفة الثانية قوله: {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} أي الذين يؤمنون بأن الرزق أساسه من عند الله ولم يكن لهم فيه من فضل إلا مجرد العمل لاكتشاف مواضعه ولذلك فإنهم يعتقدون أن لله حقًّا صريحًا معلومًا في أموالهم وهو الزكاة لا بد من أدائه لمستحقيه من سائل يستجدي الناس أو محروم عاطل عن العمل ليس لديه ما يكفيه ويخجل من أن يبدي حاجته إلى من ربما لا يعطيه فالناس كما قال الشاعر:
@ولو سئل الناس التراب لأوشكوا
#إذا قيل هانوا أن يملوا ويمنعوا
وإن من يعترف بحق الله في أمواله فيخرجه عن طيب نفس لا شك أنه لا يحزن على ما نقص من مال أنعم الله به عليه ولا يضن به في سبيل مرضاته لثقته بوفاء الله بوعده له بالمضاعفة لما كان خالصًا لوجهه.
الصفة الثالثة قوله: {والذين يصدقون بيوم الدين} أي الذين يثقون بصحة البعث والنشور في يوم القيامة الموعود فهؤلاء لا يجزعون من الموت الذي هو أكبر المصائب ويسترخصون أرواحهم في ميادين الجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته.