كيدي الكيد ضرب من الاحتيال في السر وهو مذموم إذا كان بقصد الشر وممدوح إذا أريد به الوقاية منه وكيد الله هو إمهاله للعصاة وإغداق النعم عليهم لا يعد سوأ لأنه لا يؤدي إلى تماديهم في الضلال بل إنما ذلك يدعو إلى يقظتهم وحذرهم خصوصًا وقد أنذرهم الله بما وراء ذلك من نتائج في قوله تعالى في سورة الأنعام: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} - وقوله في سورة المؤمنون -: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} - وقد وصف الله سبحانه كيده بقوله: {متين} أي قوي شديد محكم لا يفطن له إلا من كان على نور من هدى ربه مصدقًا بآياته، ولأجل أن يقنع الله رسوله بمبلغ عناد القوم وإصرارهم على الكفر عاد فدعاه إلى التفكير في الأسباب التي تحملهم على التكذيب به فقال: {أم تسألهم أجرًا} أي هل كنت تطلب منهم على دعوتك لهم إلى الحق أجرًا دنيويًّا: {فهم من مغرم مثقلون} أي حتى يمكن أن يعلل رفضهم لدعوتك بأنه يثقل عليهم ذلك الأجر الذي تطالبهم به كلا بل إنك إنما تدعوهم إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة من غير أن تريد منهم جزاء ولا شكورًا فكان من واجبهم تقبل دعوتك: {أم عندهم الغيب} أي هل يستطيعون أن يزعموا لأنفسهم العلم بالمغيبات: {فهم يكتبون} ما في علم الله عنهم فلا يحتاجون إلى الإيمان بالله والعمل لمرضاته أو الاهتداء بهديه وهذا أيضًا ما لا يمكن أن يزعموه لأنفسهم بدليل أنهم يستقسمون بالأزلام ويطلبون لأنفسهم الرحمة من آلهتهم المزعومة، وما دام الأمر لا هذا ولا ذاك: {فاصبر لحكم ربك} الذي قضى به في حقهم من الإمهال والاستدراج وتأخر نصرتك عليهم ولا نحاول الخلاص منهم وترك دعوتهم أو استعجال عذابهم: {ولا تكن} سريع الغضب ضيق الصدر: {كصاحب الحوت} وهو يونس بن متّى الذي اشتد في دعوة قومه إلى الإيمان وهددهم بالخراب والدمار وسوء العذاب فلما يئس منهم غضب عليهم وهجرهم وتوقف عن دعوتهم وركب البحر ليذهب بعيدًا عنهم بدون إذن من الله الذي عهد إليه بالرسالة إليهم فهبت الريح وعنفت العاصفة ومالت السفينة وألقي في البحر فالتقمه الحوت وبقي في جوفه: {إذ نادى} ربه: {وهو مكظوم} أي مكروب قد أظلمت الدنيا في وجهه وأغلقت دونه أبواب النجاة: {لولا أن تداركه نعمة من ربه} وهي التوبة والاستغفار إثر