في الدنيا لكل من يكفر بنعمة الله ويحاول أن يمنع رزقه عن عباده المساكين: {ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} ذلك لأن عذاب الدنيا كان محصورًا في مجرد الحرمان من ثمار تلك الجنة أو تغير حالة العيش أما عذاب الآخرة فإنه عذاب مختلف وسائل التعذيب في نار شديدة الحرارة لا يعلم كنهها غير الله.
وبعد أن نفى الله عن رسوله صلى الله عليه وسلم في أول السورة الضلال والجنون وأكد أنه تعالى أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين وأمره بعدم طاعة المكذبين والكافرين بنعمه ومثلهم بأصحاب الجنة وما انتهى إليه مصيرهم في الدنيا وما سينالون من عذاب في الآخرة أعقب ذلك ببيان ما أعده تعالى عنده للمتقين وما يقتضيه عدله من عدم المساواة بين الطائعين والعاصين فقال: {إن للمتقين} أي الذين يخافون الله ويحذرون بطشه في سرهم: {عند ربهم} في الآخرة: {جنات النعيم} أي التي كل ما فيها نعيم لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنات الدنيا من متاعب وآلام: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} أي فهل يعقل أن يسوي الله بينهما في الدرجة والمقام والثواب والعقاب وهو الذي خلق الجنة والنار وعلق دخولهما على عمل الإنسان في الحياة: {ما لكم كيف تحكمون} أي ماذا أصابكم من فساد الرأي وخبل العقل حتى تصورتم أن الله يمكن أن يعذب رسوله وأتباعه من المسلمين الطائعين ويثيبكم وأنتم المشركون العصاة المجرمون العتاة: {أم لكم كتاب} منزل من عند الله: {فيه تدرسون} أي تقرؤون فيه ما تزعمون من أنه تعالى قد يعذب المؤمن الطائع ويغفر للكافر المذنب حتى تعتمدوا عليه في الأمل بنجاتكم: {إن لكم فيه لما تخيرون} أي إن لكم في القرآن ما ترك أمره لمحض اختياركم فقد حض الله الناس فيه على عمل الخير ونهاهم عن الشر وأخبرهم بأن جزاء المؤمن الصالح الجنة وجزاء الكافر النار ولم يقل سبحانه وتعالى قط إنه يمكن أن يدخل الكافر الجنة بل قال: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} .
{أم لكم أيمان} أي عهود قطعناها لكم: {علينا بالغة} بنجاتكم من عذابنا فلا يمكن أن نخلفها إلى: {يوم القيامة} إذ تطالبوننا بالوفاء بها: {إن لكم لما تحكمون} أي أنا تركنا لكم الحكم في هذا فإن استطعتم أن تثبتوا أنا منحناكم عهدًا كهذا فقد نجوتم وإن لم تثبتوا ولن تثبتوا فقد حكمتم على أنفسكم بالعذاب لا محالة: {سلهم أيهم بذلك زعيم} الزعيم هو الكفيل أي من هو الذي تكفل