خالقها وحارسها: {إنه بكل شيء بصير} أي مالك لقوة البصر الذي يهبها لمن يشاء فلا يخفى عليه شيء من جميع المرئيات حتى يعجزه إمساك الطير ونجاة من يريد له النجاة: {أم من هذا} صاحب السلطان المطلق من آلهتكم: {الذي} يملك من القوى ما يجعلكم تعتقدون أنه بشخصه كأنه: {هو جند لكم} يقف دونكم و {ينصركم} على أعدائكم: {من دون الرحمن} أي من غير حاجة إلى معونة الرحمن: {إن الكافرون} الذين يعتمدون على قواهم المادية ولا يعتقدون أن المؤثر الحقيقي في كل شيء إنما هو الله وحده: {إلا في غرور} لتصورهم بأنهم بما أوتوا من قوى مادية يستطيعون نصر أنفسهم مكذبين قول الله تعالى: {وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم} .
{أم من هذا} الإله القادر: {الذي} يمكنه أن يخلق لكم من وسائل العيش ومقومات الحياة مثل ما خلقه الله لكم بحيث: {يرزقكم إن أمسك} الله: {رزقه} عنكم بحبس المطر أو تحجر التراب حتى لا يصلح للزرع ونحو ذلك: {بل لجوا} أي الكافرون بمعنى اضطربوا حول هذه النقطة فهم لا يثقون بأن آلهتهم تستطيع أن ترزقهم إذا أمسك الله عنهم رزقه ولا يستطيعون أن يعترفوا بهذه الحقيقة فيتخلوا عن العقائد التي توارثوها عن آبائهم فلا يسعهم إلا أن يعرضوا عن دعوة الحق ويظلوا: {في عتو} استكبار: {ونفور} تباعد بمعنى أنهم يلزمون جانب الإصرار على الكفر واحتقار الداعي إلى الحق والإعراض عنه وهذا منهم منتهى الحماقة: {أفمن يمشي مكبًا على وجهه} المكب الكثير النظر إلى الأرض بمعنى هل الذي يسير في الحياة مطأطئ الرأس لا ينظر إلا ما تحت نظره وموضع قدميه فيضل الطريق ويكون عرضة للتعثر والوقوع في المهالك وهذا مثل للكافر الذي يعتمد على نفسه وعقله ويرفض هداية ربه: {أهدى} أكثر علمًا بما يوصل إلى المطلوب: {أم من يمشي سويًا} أي معتدل القامة ينظر إلى بعيد وهو: {على صراط} أي طريق: {مستقيم} لا اعوجاج فيه وفق خطة رسمها له رب العزة العليم بطبيعة الأرض وأسهل الطرق لبلوغ الغاية: {قل} إن الذي أدعوكم إلى عبادته: {هو الذي أنشأكم} من العدم فهو أعلم بما ينفعكم وما يضركم: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} وسائل للهداية: {قليلًا ما تشكرون} الله مانحها لكم، وشكرها إنما يكون باستغلالها والاستفادة منها إلى أقصى الدرجات بتلقي العلم وإجالة النظر في جميع الكائنات والتحليق بالفكر في ما هو في فوق المحسوسات والاتصال بمالك الأرض والسموات لا أن تعطلوها بحصر أنظاركم فيها هو تحت سمعكم