ولم يكن لكم فيه غير السعي لاكتشاف مواضعه والبحث عن أحسن طرق الاستفادة منه: {وإليه النشور} نشر الله الموتى أحياهم ويوم النشور يوم القيامة أي أنه ينبغي أن يكون سعيكم في الأرض وأكلكم سعي من يعلم أن مرده إلى الله في جميع حركاته وسكناته وأكل من يعترف بالفضل لمانحه ويعترف بالنعمة لخالقها ومسديها ويؤمن بأن كل ما يأكله إنما هو من رزق الله فلا يكفر بآلاء الله وينسب كل شيء لمجهوده وعمل يده فما أنتم إلا بشر ممن خلق وما سعيكم في الحياة إلا بالروح التي وهبكم الله إياها والأرض التي ذللها لكم وما الشيء الذي تأكلونه إلا من خلق الله وفضله وهو القادر على أن يسلبكم كل هذه النعم: {أأمنتم من في السماء} ليس المراد بالسماء ما نشاهده فوقنا كقبة زرقاء محيطة بالأرض لأن هذا يقتضي أن تكون السماء محيطة به تعالى وهذا ما يتنزه الله عنه بل إن المراد بالسماء حقيقتها وهي في اللغة كل ما علاك والله سبحانه أعلا من جميع مخلوقاته فهو قادر على: {أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور} الخسف: السقوط والغيبة عن الأنظار. والمور: الغبار المتردد في الهواء بمعنى لا يبقى لكم وجودًا بالمرة: {أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبًا} الحاصب الريح الشديدة التي تحمل الحصباء أو السحاب الذي يرمي بالبرد من كل ما يضر الإنسان ولا يبقي على جميع أعماله: {فستعلمون} عندما يحل بكم شيء من هذا: {كيف نذيري} بمعنى هل كان النذير محقًّا فيما توعدكم به أم لا وليس هذا على قدرة الله ببعيد فقد حدث مثل هذا من قبل وحل بعاد وثمود من أنواع العذاب المفاجئ ما لا تزال آثاره قائمة وقد أشار إليها تعالى بقوله: {ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير} النكير: اسم من الإنكار معناه التغيير أي إنكاري وتغييري للسنن واستعجال العذاب في الدنيا قبل الآخرة الأمر الذي يدل على كمال قدرة الله على إيصال العذاب لكل من يغضبه دون أن يعجزه شيء وهناك من البراهين العديدة ما يؤيد هذه القدرة وقد عددها تعالى إذ قال: {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات} أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها: {ويقبضن} أي يضممنها إذا ضربن بها جنوبهن: {ما يمسكهن} في الجو من السقوط بالرغم عن ثقلها وضخامة أجسامها: {إلا الرحمن} فقد يقال إن الهواء هو الذي يحمل الطائر متى بسط جناحيه فرد الله هذا الزعم بأنه لو كان هذا حقًّا لسقط إلى الأرض عندما يقبض جناحيه بل إن الذي يمسكه من الوقوع إنما هو قوة الله مصدر الرحمة فالطير والطائرات إنما تعتمد على قوة الله في طيرانها وتدين بسلامتها لرحمة الرحمن