فقال: {إن الذين يخشون ربهم بالغيب} أي يخافون الله في سرهم ويندمون على ما فرط منهم: {لهم مغفرة} بمعنى أن الإنسان إنما ارتكب إثمًا ثم ذكر أن الله قد علم به وسيعاقبه عليه فخاف وندم على ما فعل وسأل الله المغفرة فلا بد أن يغفر الله له بمقتضى هذا الوعد الكريم فقد ورد في الصحيحين - «قال الله تعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ما كان فيك ولا أبالي يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا إلا أتيتك بقرابها مغفرة» .
{وأجر كبير} أي أن سنة الله قد قضت بأن الخوف منه في السر من شأنه أن يحمل الإنسان على الامتناع عن ارتكاب المعاصي فيكون له على ذلك أجر على الترك بقدر ما كان يستحق من عذاب إذا هو أقدم على العصيان قال صلى الله عليه وسلم «إن في بضع أحدكم لأجرًا» قال الصحابة أيجد الرجل لذته ويكون له أجر فقال «ألم يكن عليه وزر إذا هو وضعها في الحرام؟» - قالوا بلى قال «كذلك إذا وضعها في الحلال له أجر» .
{وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور} ومعنى هذا أنه تعالى يجزي على نية الخير كما يجزي على فعله أو الدعوة إليه: {ألا يعلم من خلق} فمما لا جدال فيه أن من خلق شيئًا لا بد أن يكون عالمًا بمخلوقه فالخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين على سبيل القصد والقاصد إلى الشيء لا بد أن يكون عالمًا بماهيته وكميته وما يستعمل له والغاية عنه وكل دقيقة من أمره: {وهو} أي الله الخالق للإنسان: {اللطيف} صاحب اللطف وهو الرفق بمعنى أنه تعالى لا يعامل الناس بما يستحقون فهو القائل -: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} -: {الخبير} العارف بجميع أخبار العالم: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا} ذلَّ ضد عزّ أي هان وانقاد بسهولة والمراد أنه تعالى جعلها من مادة لينة بحيث يمكن حفرها وإنباتها وبناء الأبنية فيها كما يريد الإنسان ولو كانت حجرية صلبة أو كانت مثل الذهب والحديد لصعبت الاستفادة منها ولكانت أسخن جدًّا في الصيف ولا تبرد كثيرًا في الشتاء ولا تصلح للزرع: {فامشوا في مناكبها} المنكب ناحية كل شيء وجانبه وأعلاه والمراد السعي والعمل لاستثمار هذه الأرض التي جعلها الله لكم بمختلف الوسائل وفق سننه تعالى التي سنها لعمارها: {وكلوا من رزقه} أي اعلموا أن ما تنالونه من خير لم يكن نتيجة سعيكم فأساس الرزق من محض فضل الله الذي خلق مواده الأولية