أراد جل وعلا أن يأخذ عباده المؤمنين من هذا عبرة وتذكرة لأنفسهم فيحرصوا كل الحرص على الإخلاص له في السر والعلن لئلا يبوءوا بسخطه ويصطلوا بناره في الآخرة فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} أي اجعلوها في مأمن من النار في يوم القيامة وذلك بمحبة الرسول والإخلاص له واتباع شريعته: {وَقُودُهَا} بفتح الواو وقرئ بضمها أي حطبها الذي يلقى فيها: {النَّاسُ} أي جثث بني آدم: {وَالْحِجَارَةُ} لعل المراد منها الأصنام لقوله تعالى في آية أخرى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} .: {عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ} في طبائعهم أي أنه لا رحمة عندهم: {شِدَادٌ} في تركيبهم وقواهم: {لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} أي أنهم ينفذون أوامر الله بمنتهى الدقة وقد أمروا بمخاطبة الكفار عند دخولهم إلى جهنم بقولهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا} برسالة الرسول وما جاء به من عند ربه: {لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ} أي لا تحاولوا استجداء الرحمة بمختلف المعاذير فليس هذا وقته فجهنم دار عذاب لا موضع حساب: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ} فيها: {مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي أن المصير هو النتيجة الطبيعية لأعمالكم أو الجزاء المقرر لسيئاتكم بحسب ما أعلنتم به في حياتكم الدنيا وهنا أعاد الله النداء إلى المؤمنين ليرشدهم إلى ما يقيهم من عذاب الله فيما إذا اقترفوا شيئًا من السيئات فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بالله واقترفوا السيئات لا تيأسوا من رحمة الله بل: {تُوبُوا إِلَى اللهِ} أي ارجعوا دائمًا إلى الله بطلب الغفران والندم على ما كان: {تَوْبَةً نَّصُوحًا} بفتح النون وقرئ بضمها أي توبة صادقة تنصح صاحبها بعد العود إلى ما تاب منه: {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ} بهذه التوبة: {سَيِّئَاتِكُمْ} التي اقترفتموها لأن في الاعتراف بالجرم وطلب الغفران ما يستدعي الرحمة والرضوان ولكنهما لا يضمنان نيلهما إلا إذا اقترنا بالعمل الصالح وفق دستور الله: {وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ} برد شفاعته وهو يوم القيامة إذ يسجد تحت العرش ويتشفع لأمته فيقال له يا محمد ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} أي ويوم يكون حال المؤمنين كذلك نتيجة لما كانوا: {يَقُولُونَ} في حياتهم الدنيا: {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ومن أجل هذا جعل الله نورهم يسعى بين أيديهم وغفر لهم فإنه وحده القدير على ذلك وبعد أن أمر الله المؤمنين بالرجوع إلى الله بقلوبهم بالتوبة والندم لعل في ذلك ما يكون سببًا لنيل غفرانه أخذ يدعوهم إلى ما يضمن لهم السعادة في الدارين