الشيء ووثق بنيله بذل معظم الجهد في تحقيقه فكيف بمن يثق بوعد الله ولا يشك في أن كل ما يناله الإنسان لم يكن بمجرد سعيه واجتهاده بل بمعونة الله وتيسيره، وهو بمثابة الاستعانة به، والتفويض إليه في ما وراء الأسباب العامة، التي جعل الله للإنسان كسبًا فيها من الأمور الغيبية، التي لا يملك أمرها أحد سواه، ولذا قرن الله التوكل بالعبادة في كثير من الآيات، والتوكل محله القلب، والعمل بالأسباب محله الأعضاء والجوارح، ولا تعارض بينهما بل لا بد في التوكل من الأخذ بالأسباب، وترك الأسباب بدعوى التوكل لا يكون إلا عن جهل بالشرع، أو فساد في العقل، وما مثل المؤمن المتوكل إلا كالولد المعتمد على والديه، هل يعقل أن يقصر في واجب رعايته وتعهد شؤونه، ويتركانه عرضة للفقر والمسكنة حتى يظن أن يتخلى الله عن عبيده المتوكلين عليه، والله أرحم بعباده من المرأة بولدها، وهنا أراد سبحانه وتعالى أن ينبه عباده المؤمنين إلى بلاء عظيم قد يصيب الإنسان وهو لا يشعر وذلك هو إذعانه لعاطفته والاستسلام لما تدعو إليه ولما كانت الزوجة والأولاد هما في مقدمة ما يسيطر على عواطف الإنسان في هذه الحياة قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ولم يقل يا أيها الناس إشارة إلى أن الأمر الذي سيبينه لا يخص الناس كافة بل المؤمنين منهم: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ} الذي تحبونهم وتبالغون في العطف عليهم: {عَدُوًّا لَّكُمْ} ليس المراد بالعداوة الخصومة والكيد والحرب بل هي ما وضحها ابن عباس رضي الله عنهما إذ سُئل عن الآية فقال: هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا الهجرة إلى المدينة فلم يدعهم أزواجهم وأولادهم، أي أن من الأزواج والأولاد ما يثبطون همة المؤمن عن طاعة الله وواجب الجهاد فهؤلاء هم أعداؤكم أيها المؤمنون إذ لو كانوا يحبونكم حقًّا لما تمسكوا بكم وحالوا دونكم ودون ما يرضي الله ويرفع مكانتكم وينيلكم جنة عرضها السماوات والأرض: {فَاحْذَرُوهُمْ} أي احذروا أن يؤثروا في عواطفكم ويصدوكم عن طاعة الله: {وَإِن تَعْفُوا} عن عداوة هؤلاء الأزواج والأولاد: {وَتَصْفَحُوا} عما بدر منهم من أمر أساسه العاطفة لا قصد إلحاق الضرر بكم: {وَتَغْفِرُوا} بمعنى عدم مؤاخذتهم فلا تهجروهم ولا تتخذوهم أعداء حقيقيين من أجل ذلك: {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي فإنه تعالى بمقتضى عدله لن يؤاخذكم على ذلك لأنه لا يعذب على الأعمال إلا ما كان منها بقصد السوء أو المعونة للكافرين ضد المؤمنين أما هؤلاء فإنهم لم يقصدوا شيئًا من هذا: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} أي والحقيقة التي لا ريب فيها هي أن الله قد جعل