من حب الأموال والأولاد سبيلًا لاختبار الإيمان في قلوب المؤمنين: {وَاللهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} فمن آثر حبه لله على حبهم وضحى بهم في سبيل نيل ما أعده له من أجر كان مؤمنًا حقًّا ونال من أجره تعالى الشيء الكثير ومن آثر حبهم على حب الله وآثر إرضاءهم بدافع الحنو على أداء ما افترض الله والرغبة فيما عنده كان من الظالمين المحرومين: {فَاتَّقُوا اللهَ} أي راقبوه واحذروا مخالفته: {مَا اسْتَطَعْتُمْ} أي بقدر جهدكم وما تستطيعون من مغالبة للنفس: {وَاسْمَعُوا} لآيات الله إذا تتلى عليكم وتدبروها: {وَأَطِيعُوا} أي اعملوا بمقتضاها فائتمروا بأمر الله وانتهوا عما ينهاكم عنه: {وَأَنفِقُوا} في سبيل الله بما في إمكانكم يكن ذلك كله: {خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ} تدخرونه عند الله يوم لا ينفع مال ولا بنون: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} لقد جرى المفسرون وعلماء اللغة على أن المراد بالشح شدة البخل أو أنه الظلم وعندي أن البخيل من لا يعطي ولا ينفق المال للآخرين وأما الشحيح فهو الذي يضن بالمال حتى على نفسه ويكره العطاء حتى ولو من مال الآخرين وهو المعنى بقوله تعالى: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} فهم بهذا الاعتبار أعداء الإنسانية فاقدو الرحمة ولذا قال صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمع الشح والإيمان في قلب أبدًا» .: {فَأُوْلَئِكَ} الذين يتقون شح النفس ويحبون للناس ما يحبون لأنفسهم: {هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي الفائزون الظافرون بالسعادة فهم لم يحرموا أنفسهم ما أحل الله من ملذات الحياة ويسرون إذ يشركون غيرهم معهم فيها استجابة لقول الله تعالى: {إِن تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا} بمعنى إن تنفقوا ما تنفقون من أموالكم فيما يرضي الله من صدقة أو قرى ضيف أو تفريج كربة أو حل مشكلة أو غير ذلك من وسائل التعاون ولا ترجون من وراء ذلك سمعة أو شهرة بل ثواب الله جل جلاله فإنه سبحانه: {يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} أي يضاعف لكم ذلك المال الذي أنفقتموه قرضًا عليه بوسائل متعددة لم تكن في الحسبان كأن يربحكم في تجارة أو يهيئ لكم من عمل أو غير ذلك وهذا أمر مجرب في الأمم والأفراد لا يجحده إلا من لا يدرك ما في طاعة الله من أسرار ويحسب أن ما يناله في الحياة ما هو إلا نتيجة سعيه وما كسبت يداه: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ذنبوكم في الآخرة فإن من خصائص الإنفاق في سبيل الله أن يدفع البلاء ويقرب العبد إلى مولاه: {وَاللَّهُ} من صفاته أنه: {شَكُورٌ} يقدر عمل العاملين ويثيب عليه: {حَلِيمٌ} يصبر على طيش عباده لعلهم يثوبون إلى رشدهم فيصفح عنهم: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أي ما خفي وما ظهر من أعمال عباده ولولا حلمه لبطش بالعصاة والكافرين