على ذلك وعندي أن الاستغناء في اللغة معناه الاكتفاء فيكون المعنى أن الله اكتفى بإرسال الرسل من البشر ولم يشأ سبحانه أن يجاري المكذبين في تعنتهم إذ قال تعالى في سورة الأنعام: {وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} ومعنى هذه الآية أن طلبهم هذا ما هو محض تمحك منهم لا يمكن تحقيقه ولا فائدة منه إذ لو كان من المفيد إنزال الملك لمساعدة الرسول في تبليغ الرسالة لقضي الأمر واكتفي به في أداء الرسالة ولم تعد حاجة لإرسال الرسل من البشر ثم هم بعد ذلك لا يمهلون لأجل أن يؤمنوا فهذا يعد عَنَتًا جليًا منهم وهو سبحانه يعلم أنهم إن أعطوا هذا الطلب وأرسلت لهم ملائكة من السماء فلن يؤمنوا بها وذلك لأن الملك من المخلوقات الخفية التي لا ترى فإذا أرسل أحد منهم للبشر فمن الضروري أن يكون متمثلًا في صورة بشر حتى يمكنهم مشاهدته وسماع كلامه الذي يبلغهم به عن ربه كما حصل عندما أرسل الله الملك لمريم: {فتمثل لها بشرًا سويًا} وإذا ما أرسل الله الملك للناس وجعله في صورة بشر لا ريب أنه بداخلهم الشك في أمره أيضًا لأنهم لا يدركون منه إلا صورته وصفاته البشرية المنظورة وحينئذ يقعون في نفس اللبس والاشتباه ولا يكفون عن المطالبة بجعله ملكًا ومن أجل هذا اكتفى الله في أمر هداية الناس بإرسال الرسل من البشر دون الملك: {وَاللهُ غَنِيٌّ} عن إيمانهم فإن ذلك لا يزيد في مقامه شيئًا كما أن كفرهم لا يؤثر في ملكه بوجه من الوجوه: {حَمِيدٌ} يثني على عباده المؤمنين ويقدر لهم صالح أعمالهم ويجزيهم عليها خير الجزاء، وهنا أراد جل جلاله أن يدلل على كمال علمه فأخبر بما يحاك في صدور فريق من عباده وما يتحدثون في مجالسهم الخاصة فقال: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا} بمعنى لم يؤمنوا بوجود الله ووحدانيته وعظم قدرته: {أَن لَّن يُبْعَثُوا} بمعنى أنه لا حياة لهم إلا في الدنيا فقط: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} أي أكد لهم أيها الرسول أمر البعث في حياة أخرى أسعد من هذه الحياة لا تعب فيها ولا نصب ولا يدركها الفناء وأقسم لهم على ذلك بي فإنهم يعلمون أنك مؤمن بي كل الإيمان فلا يمكن أن تقسم بي كاذبًا لعل في ذلك ما يحملهم على تصديقك: {ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} أي أكد لهم فوق أمر البعث أنه سيكون هنالك عرض لجميع أعمال العباد: {وَذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ} أي أن ذلك أمر في غاية السهولة فمن أوجد الإنسان من العدم لا يعجزه أن يعيده بعد الفناء والعالم بالشيء من السهل أن يذكره ويخبر عنه: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ} ربًّا واحدًا لا شبيه ولا شريك