اليهود الذي أنزلت عليهم التوراة وآمنوا بها ولكنهم لم يعملوا بما تدعو إليه من الإيمان بالله والاهتداء بهديه فقال: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا} بتشديد الميم وقرئ بتخفيفها أي كلفوا بالحمل: {التَّوْرَاةَ} أي أمروا بما فيها: {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا} أي لم يعملوا بها ولم يفهموها فهمًا صحيحًا ولم يؤدوها حقها: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} جمع سفر وهو الكتاب الكبير أي أن مثلهم كمثل الحمار الذي يحمل كتبًا علمية ثقيلة لا يعقل ما فيها ولا ينتفع بها وليس له من ذلك إلا ثقل الحمل: {بِئْسَ} هذا المثل: {مَثَلُ الْقَوْمِ} من سائر الأمم في كل وقت: {الَّذِينَ} أنزلت عليهم من الله كتب كالإنجيل والقرآن أمروا بوعيها وتدبر معانيها والعمل بما فيها فآمنوا بها ولكنهم: {كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ} التي احتوتها تلك الكتب فلم يأخذوا بأحكامها ولم يهتدوا بهديها واكتفوا بتلاوتها وحملها لمجرد البركة فكان مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارًا: {وَاللَّهُ} في نظامه ودستوره: {لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} لأنفسهم برفضهم سلوك سبيل الهداية الذي سنه الله لها والذي رسمه تعالى لعباده في تلك الآيات: {قُلْ} يا أيها الرسول لأولئك القوم الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها يعني اليهود: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ} بانتمائكم إلى هذا الدين: {أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ} أي محبين لديه: {مِن دُونِ النَّاسِ} وقد حكى الله عنهم في آية أخرى قولهم: {نحن أبناء الله وأحباؤه} .: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} فلا أحب إلى الابن أن يلقى أباه ولا أحب إلى المحبوب من أن ينعم في كنف محبه: {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فيما تزعمونه بمعنى إذا كنتم تعتقدون بقلوبكم حقًّا هذا الذي تزعمون بألسنتكم: {وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ} أي الموت: {أَبَدًا} أي طوال حياتهم وذلك: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي بسبب ما أقدموا عليه من الكذب على الله وتحريف الآيات ولأنهم يعلمون أنهم غير صادقين فيما يزعمون: {وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} الظلم وضع الشيء في غير محله بمعنى المستعملين حواسهم ومواهبهم في غير ما خلقت له من اتباع الحق والاهتداء بهدي ربهم وخالقهم: {قُلْ} أيها الرسول لأولئك الذين يتمنون الموت بسبب ما قدمت أيديهم: {إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ} ولا تتمنونه: {فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ} لا محالة فهو أمر لا بد منه: {ثُمَّ تُرَدُّونَ} أي ترجعون بعده: {إِلَى} الله: {عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} غاب الشيء اختفى واستتر، وشهد الشيء عاينه واطلع عليه: {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} من خير وشر في السر والجهر وما دام الأمر كذلك فاربؤوا بأنفسكم عن الكذب على الله خير لكم من الاستمرار فيما تكذبكم عليه شواهد الحال وهنا وجه سبحانه وتعالى الخطاب إلى