الصفحة 1552 من 1760

والدرجة الثانية أن تؤمنوا: {وَرَسُولِهِ} أي أن تثقوا بأن محمدًا لم يكن سوى رسول قد خلت من قبله الرسل لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا وإنما هو يبلغكم رسالة ربه فلا تتخذوه مع الله شريكًا ولا تطرونه كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم بل قولوا عبد الله ورسوله وائتمروا بأمره وانتهوا عما ينهاكم عنه واتبعوا سنته تنالوا سعادة الدنيا والآخرة. الدرجة الثالثة: وهي أقصى درجات الإيمان قوله: {وَتُجَاهِدُونَ} أي تبذلون ما في وسعكم: {فِي سَبِيلِ اللهِ} أي لإعلاء كلمته والحصول على رضاه: {بِأَمْوَالِكُمْ} التي منَّ الله بها عليكم بأن تضعوها فيما يدعوكم إليه الإسلام من عون كل محتاج وإعداد العدة للقتال ونصر دين الله بمختلف الوسائل: {وَأَنفُسِكُمْ} بمعنى لا تضنوا بأرواحكم تقدمونها عن رغبة واختيار في ساحة الوغى من أجل رفع راية الحق ونصر دين الله والدفاع عن ديار المسلمين ودمائهم وأموالهم: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} من أن تتبعوا أهواءكم أو تبتدعوا في الإسلام بدعًا تظنونها تقربكم من الله وهي لا تجديكم نفعًا إذ هو سبحانه وتعالى أعلم بما يرضيه منكم وقد حصرها جل جلاله فيما ذكر: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} حقًّا أن هذا كلام الله بمعنى أن التجاوز عن هذا وابتداع شيء في الإسلام غير ذلك مما يدل على تشكككم في كلام الله: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} أي أنكم إذا فعلتم هذا فقد سلكتم سبيل الغفران فكان حقًّا على الله أن يغفر لكم فهو القائل: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} الغفران: {وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} في الآخرة بدلًا مما ضحيتموه من متاع الدنيا وبرًّا بوعده تعالى الذي علق الجزاء على العمل فضلًا منه ورحمة والقائل: {إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} وهو سبحانه لا يخلف الميعاد: {ذَلِكَ} أي جزاء الآخرة هو: {الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} لأنه فوز بنعيم دائم لا يزول ولا ينتهي: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا} أي على أنه تعالى لم يقصر ثوابه لكم على ما تنالونه في الآخرة فقط بل سيمنحكم ثوابًا عاجلًا في الدنيا أحب إلى قلوبكم من جميع الملذات وهو: {نَصْرٌ مِّنَ اللهِ} إذ النصر على الأعداء من الأمور التي لا تنال بكثرة العدد والعدة وإنما هو منحة من الله يهبها لمن يشاء سبحانه وتعالى بوسائل مختلفة كإلقاء الرعب في القلوب وتفرق كلمة الخصوم وابتلائهم بأنواع الأوبئة والميكروبات: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} ، وللنصر على الأعداء لذة في النفس لا تعدلها لذة أخرى في الحياة فالإنسان الذي يبذل جهده في جمع المال وسائر متع الدنيا يضحي بها جميعًا في سبيل نصره على خصومه وأعدائه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت