نُورَ اللهِ الذي يشع من بين ثنايا كتبه وعلى ألسنة رسله: {بِأَفْوَاهِهِمْ} أي بمجرد طعن يرمونه به ومزاعم يختلقونها بقولهم إنه سحر وإنه كذب: {وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ} أي مظهر حقيقة دعوته في سائر البلاد وكافة العصور والأوقات وكفيل بنفاذها إلى القلوب الطاهرة والعقول المتحررة من تقليد الآباء العصبية الجاهلية: {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} بالله وآياته مهما حاولوا كبته وخفاءه أي بالرغم عنهم: {هُوَ} أي الله: {الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ} محمدًا بن عبد الله: {بِالْهُدَى} أي القرآن الذي جعله الله سبيل الهداية لمن أراد أن يهتدي: {وَدِينِ الْحَقِّ} الذي هو الإسلام باعتباره آخر الشرائع السماوية: {لِيُظْهِرَهُ} أي لجليه ويعلنه: {عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} أي جميع الأديان: {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} أي الداعون إلى التثليث وأكبر برهان على هذا ما نراه اليوم من قيام معظم الدول المسيحية بإذاعة آيات القرآن الداعية إلى التوحيد الخالص من محطاتها والسماح للمسلمين بالدعوة إلى الله وبيان مزايا الإسلام منها بحيث لم يعد لأحد من النصارى العذر في عدم سماعه أو العلم به ولله الحجة البالغة.
بعد أن أخبر الله المؤمنين بما يبغضه وما يحبه منهم وضرب لهم الأمثال وحذرهم من أن يكونوا كقوم موسى وعيسى أخذ يرسم لهم طريق السعادة في الدنيا والآخرة فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} الإيمان نقيض الكفر أي المصدقين بما أنزل على محمد بن عبد الله: {هَلْ أَدُلُّكُمْ} أي أرشدكم: {عَلَى تِجَارَةٍ} رابحة مضمونة النتائج: {تُنجِيكُم} بالتخفيف وقرئ بتشديد الياء: {مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} فالناس في هذه الحياة إنما يتعاطون التجارة ويعملون لزيادة الربح لغرض واحد قد يحصلون عليه أو لا يحصلون ألا وهو النجاة من محنة الفقر وآلامه وهذه التجارة التي أصفها لكم تضمن لكم النجاة من شيء اسمه عذاب أليم سواء في هذه الحياة أو في الحياة الأخرى وهذه التجارة لا تكلفكم رأس مال كبير قد يعسر عليكم الحصول عليه كلا بل إنه سهل وسهل جدًّا على ثلاث درجات الدرجة الأولى: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} فالإيمان بالله صلاح ماض قاطع يعمل العجائب ويأتي بالمعجزات ذلك لأن معناه اليقين الكامل بوحدانية الله وإنه وحده النافع الضار الفعال لما يريد ولا راد لحكمه ولا مغير لسنته وهذا ما يحمل الإنسان على أن يكون دائم الصلة بالله في الحياة فلا يرجو غيره ولا يعتمد على سواه بل يلقي بنفسه تحت إشرافه ويتكل عليه الاتكال كله ويسأله بلوغ الآمال وقضاء الحوائج فلا يخيبه الله أبدًا وينال من طمأنينة النفس ما يشعره بحقيقة السعادة.