حسن جزائه ويخاف بأسه وشديد عقابه: {وَمَن يَتَوَلَّ} أي يعرض عن الإيمان بالله واليوم الآخر فإنه لا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئًا: {فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ} عن إيمانه فإيمان المرء إنما ينفعه عند ربه ويجعله محل رحمته وكفره به مما يسبب له الحرمان مما أعده للمؤمنين من حسن جزاء بحسب دستور الله الذي أعلنه لعباده: {الْحَمِيدُ} أي الذي يثني على عمل الخير ويجزي عليه وعملًا بهذه الآيات الكريمة قاطع المؤمنون الكفار مقاطعة تامة وأضمروا لهم العداء الشديد حتى بلغ بهم الأمر أن قتيلة والدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه قدمت المدينة وهي مشركة لزيارة بنتها مصطحبة معها بعض الهدايا ورفضت أسماء أن تدخلها بيتها أو تقبل هديتها حتى ذهبت إلى الرسول تستأذنه في ذلك وتسأله هل نصلها أم لا فقال لها صلى الله عليه وسلم: «نعم صلي أمك» فأراد الله جل جلاله أن يشعر المؤمنين بأن المقصود من عدم موالاة الكافرين إنما هو انتزاع ما لهم من حب في القلوب قد يحملهم على مؤازرتهم أو الأمل في الاحتماء بهم ورجاء العون منهم أما المجاملات الظاهرية التي لم تكن منبعثة من القلب فإنه لا بأس بها بل ربما كانت مطلوبة ما دامت تهدف إلى استجلاب قلوب الكفار إلى الله وترغيبهم في دين الإسلام ولذا أمر الله بعدم مجافاة الكافرين مجافاة تقطع كل صلة بينهم وعلل ذلك بقوله: {عَسَى اللهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً} أي فليكن عداءكم لهم عداء من يرجو إصلاحهم وهدايتهم بمعنى أنه ما دامت عداوتكم لهم إنما هي لوجه الله ونائشة عن كفرهم بما أنزل عليكم فلا يبعد أن يهتدوا إلى الإسلام فتزول العداوة بزوال سببها ويعود الود إلى سابق عهده: {وَاللَّهُ} بسيطرته على القلوب: {قَدِيرٌ} على أن يقلب العدو صديقًا والعدو محبًّا مخلصًا: {وَاللهُ غَفُورٌ} لمن أدرك ذنبه وخاف الله في سره وشعر بحاجته إلى الغفران فطلبه من مولاه: {رَّحِيمٌ} لمن يستحق الرحمة من عباده ثم أنه تعليقًا على أساس الموضوع الذي من أجله أنزلت هذه الآية وهو المبالغة في الجفاء إلى حد قطيعة الرحم أراد الله أن يضع حدًّا لذلك ويفرق بين حب القلب وأداء الحقوق والواجبات فقال: {لا يَنْهَاكُمُ} أي لا يمنعكم: {اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} أي بسبب الدين: {وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ} بمعنى أنه لا حول لهم ولا طول كالأطفال الصغار والنساء والرجال العجز الذين لم يشتركوا في إيقاع الأذى بكم: {أَن تَبَرُّوهُمْ} إذ أن أمثال هؤلاء من المستضعفين لا ذنب لهم وإن حرم عليكم حبهم فإنه لا ينهاكم الله عن البر بهم بمعنى العطف عليهم وتقديم ما يحتاجون إليه