مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا وهم المشركون الذين حاربوا الرسول في بدر بتحريض من أبي جهل ورفاقه من صناديد قريش: {ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ} بالقتل والأسر في الدنيا: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة وما مثل المنافقين المحرضين لبني النضير على معاداة الرسول ومقاتلته وما وعدوهم به من نصر إلا: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} والله يعلم أن أولئك المنافقين لم يكونوا حقًّا يخافون الله في سرهم كما أن الشيطان لم يكن يخاف الله كما يزعم إذ لو كانوا يخافونه فعلًا بقلوبهم ما أقدموا على التغرير بعباد الله وإعطائهم من الوعود ما كان سببًا في زللهم وإصرارهم على محاربة الله ورسوله: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا} بفتح التاء ورفعها أي الغاوي والمغوي: {أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا} أي لا نجاة لهما منها: {وَذَلِكَ} لم يكن عن رغبة الله في عذابهم بل: {جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} لأنفسهم بالإعراض عن هداية الله التي بسط لهم سبيلها، واتباعهم لشهوات النفس التي حذرهم من شرورها وعدم تحكيمهم لملكة العقل فيما يضرهم وما ينفعهم وبعد أن ذكر الله الناس بمدى عظمته وسلطانه وتأثيره الخفي في كل شيء الذي يتجلى في إخراج بني النضير من ديارهم ورده كيد اليهود في نحورهم بالقضاء على فتنهم ودسائسهم وامتداحه للمؤمنين الصادقين من المهاجرين والأنصار والتابعين وتعريضه بأنصارهم من المنافقين وذكره لأسباب خذلانهم أخذ جل شأنه بوجه الخطاب لعباده المؤمنين ويدعوهم إلى ما ينفعهم بل ليرسم لهم السبيل لسعادة الدارين وخير الحياتين فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بوحدانية الله وعلمه بكل صغيرة وكبيرة من أمركم وأنه تعالى يعلم سركم وجهركم: {اتَّقُوا اللهَ} أي احذروا أن يراكم في أي أمر يغضبه لئلا ينزل بكم ما نزل بمن ذكر ممن كان قبلكم: {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ} أي كل نفس في سرها: {مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} بمعنى تستعرض ماضيها لتتبين ضآلة ما كان فيه نافعًا ليوم القيامة فمما لا شك فيه أن أعمال الإنسان الدنيوية أكثر جدًّا من أعماله لآخرته مع أن الواجب كان يقضي عليه بعكس هذا إذ الحياة الدنيا محدودة وقصيرة الأمد والحياة الأخرى هي الحياة الدائمة التي لا موت فيها: {وَاتَّقُوا اللهَ} أي راقبوه في جميع حركاتكم وسكناتكم واقصدوا رضاه بجميع أعمالكم تكونوا في عبادة دائمة وتنالوا أجركم على ذلك برًّا بوعده تعالى لكم: {إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي العالم بحقائق الأعمال وكنهها: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ} أي لم يذكروه عند إقدامهم على كل عمل بمعنى أنهم حسبوا لأنفسهم القدرة الذاتية على فعل ما يريدون ولم يحسبوا له حسابًا فيما