منها بحيث جعلوا الإيمان مستقرًا ووطنًا لهم لتمكنهم منه واستقامتهم عليه وديارهم دارًا لكل مسلم لا فارق بينه وبينهم: {مِن قَبْلِهِمْ} أي من قبل أن يفدوا إليهم: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} بمعنى أنهم يسهمون في إبراء المهاجرين ويتخلون لهم عن أماكنهم ويشاركونهم على صروف الدهر لا لشيء إلا لأنهم مهاجرون في سبيل الله وتلك صفة الأنصار أهل المدينة وقد قال المهاجرون يومًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلًا في كثير لقد كفونا المئونة وأشركونا في المهنأ حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم» .: {وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً} إلى شيء: {مِّمَّا أُوتُوا} أي ما أعطى المهاجرون بمعنى أنهم لا يحسدونهم ولا يقولون لِمَ أعطوا من مال الفيء من دوننا، رُوي عن أنس رضي الله عنه قال: كنا جلوسًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه بيده الشمال وتكررت هذه الحادثة ثلاثة أيام، فما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص إلا أن تبع الرجل وطلب منه أن يضيفه ثلاث ليال فرحب به فلم يره أثناءها يقوم من الليل شيئًا غير أنه إذا تقلب على فراشه ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر فلما مضت الليالي الثلاث سأله أن يوضح له صالح عمله فقال ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًّا ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه، قال له عبد الله بن عمرو فهذه التي بلغت بك وهي التي لا تُطاق: {وَيُؤْثِرُونَ} أي يقدمون غيرهم: {عَلَى أَنفُسِهِمْ} بكل خير وفضل: {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أي حاجة بمعنى أنهم يبدؤون بالناس في حال احتياجهم عن سد حاجتهم ويقدمونهم على أنفسهم: {وَمَن يُوقَ} أي من يحذر وتجنب: {شُحَّ نَفْسِهِ} الشح بضم الشين وقرئ بكسرها البخل بمعنى المنع وشح النفس هو الحالة النفسية التي تقتضي ذلك المنع: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي الفائزون برضوان الله لتجنبهم الشح، قال صلى الله عليه وسلم: «إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالظلم فظلموا وأمرهم بالفجور ففجروا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا» ، وقال أيضًا: لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدًا»، وليس المراد بتقوى الشح جود الإنسان بكل ما يملك فقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة». وأما الفريق الثالث