العداء لهما فلا تطيب لهم الإقامة في ديار ينفذ فيها حكم الله ورسوله: {وَمَن يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} أي ولقد فاتهم أن الجلاء الذي اختاروه لن يقيهم عقوبة معاداة الله فهو سبحانه شديد العقاب يصلهم أينما حلوا أو حيثما كانوا ثم إنه بعد أن انتهى إجلاء بني النضير عن المدينة بقي فيها من اليهود بنو قريظة فأخذوا يدسون الدسائس ويبثون الفتن ضد الرسول ويحاولون تشكيك المسلمين في عدله صلى الله عليه وسلم بقولهم إن محمدًا كان ينهى عن الفساد فما باله أمر بقطع نخيل بني النضير أثناء حصارهم ولم يوزع ما تركوه على من جاهد معه كسائر أموال الغنائم حتى لقد حاك هذا في قلوب بعض المسلمين فقالوا يا رسول الله لقد أمرتنا بقطع شجر القوم فقطعنا بعضًا وتركنا بعضًا فهل لنا فيما قطعنا من أجر وهل علينا فيما تركنا من وزر فرد الله كيد اليهود في نحورهم وأنزل قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ} وهي النخلة من أي نوع: {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا} من غير قطع: {فَبِإِذْنِ اللهِ} أي أن الأمر بالقطع لم يكن للوجوب حتى تثابوا أو تأثموا بل للإباحة وهذا يشير إلى قاعدة أصولية هي أن الأمر بعد النهي يقتضي الجواز: {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} أي والغاية منه لم تكن لإيقاع الفساد بل لغيظ اليهود وتضاعف حسرتهم على أعز أموالهم أما عن أموال بني النضير التي لم يوزعها الرسول على الجيش فقد فصل الله أمرها بأنها لا تعد من أموال الغنائم التي تؤخذ من الأعداء في ميدان القتال فليس ثمت حرب ولا قتال بل إنه رزق ساقه الله إلى رسوله من غير حرب ولا ضرب حيث قال: {وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} أي جعله الله فيئًا له من أموالهم إذ الفيء ما أخذ من أموال الكافرين من غير حرب: {فَمَا أَوْجَفْتُمْ} أي فما أسرعتم: {عَلَيْهِ} من أجل نيله: {مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ} الركاب ما يركب من الإبل واحدتها راحلة ولا واحد له من لفظة والعرب تطلق على راكب البعير الراكب وعلى راكب الفرس الفارس بمعنى لم تجهدوا أنفسكم في نيله بحرب ولا ضرب ولم تقطعوا إليها مسافة طويلة إذ كنتم على مسافة ميلين من المدينة: {وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ} أي يجعل لهم عليهم سلطانًا فيخضعون لهم ولذا كان الأمر في الفيء مفوضًا إلى الرسول يضعه حيث يشاء: {وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فهو الذي نصر رسوله بما أوقعه بين اليهود من فتنة ورعب في القلوب ومن أجل هذا قسم الرسول الفيء بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منه غير القليل كل بحسب حاجته ومن أجل هذا جعل الله حكمه فيه ما يأتي: مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ