على عظيم قدرته: {مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} من جميع المخلوقات بما تشير إليه من بديع الصنع وكامل الإتقان الذي لا يدع مجالًا للشك في أنه من صنع خالق عظيم: {وَهُوَ الْعَزِيزُ} في سلطانه: {الْحَكِيمُ} في جميع تصرفاته: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا} برسالة محمد بن عبد الله: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} وهم يهود بني النضير الذين عاهدهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأعطاهم عهدًا وذمة على أن لا يقاتلهم ولا يقاتلوه وعندما تآمروا عليه وقرروا قتله في سرهم: {مِن دِيَارِهِمْ} أي مواضع سكنهم بالمدينة المنورة: {لأَوَّلِ الْحَشْرِ} أي لأول حصار ضرب عليهم وقد تجمعوا في حصون أعدوها خصيصًا للاحتماء بها فلم يثبتوا فيها أكثر من ست ليال: {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا} منها بهذه السرعة ويجلوا عنها وقد أعدوها إعدادًا قويًّا منيعًا لا سبيل إلى النيل منه: {وَظَنُّوا} هم في أنفسهم: {أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم} تلك: {مِّنَ اللهِ} أي من قوى الله المادية والمراد بها جند الإسلام أنصار محمد بن عبد الله: {فَأَتَاهُمُ اللهُ} بشيء لم يكن يخطر لهم على بال: {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} ذلك أنه قتل رئيسهم وقائدهم كعب بن الأشرف على يد أخيه غيلة فانقسموا ووقعت فتنة داخلية بينهم لم تكن في الحسبان: {وَقَذَفَ} الله: {فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} وهو أعظم سلاح فتاك لا يملكه أحد غير الله فلم يسعهم إلا أن يحكموا على أنفسهم ويسألوا النبي أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما استطاعته الإبل من الأموال ما عدا السلاح فأطاعهم العهد على هذا فحملوا من أموالهم ما استطاعته إبلهم حتى صاروا: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} ليحملوها على ظهور إبلهم: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} كيف أن هؤلاء بنوا تلك الحصون ليحتموا فيها فإذا بهم يطلبون الجلاء عنها بل ويخربونها ليحملوا ما ينتفع به من انقاضها معهم من غير أن تطلق عليهم قذيفة واحدة بل إن الله قد جعل من قتل قائدهم سببًا في تفرق كلمتهم وألقى الرعب في قلوبهم وجعلهم يلقون سلاحهم من تلقاء أنفسهم إثر حصار بسيط ضرب عليهم أيامًا معدودة: {وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ} الخروج من الوطن والتحول عنه بما ألقى في نفوسهم من الرعب والرغبة في التسليم رحمة بهم وتفضلًا عليهم: {لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} بالقتل والأسر في حرب لا قبل لهم بها: {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} على غدرهم ونقضهم للعهد وتآمرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا} أي وإنما اختاروا الجلاء من تلقاء أنفسهم لأنهم خالفوا وعادوا: {اللَّهَ وَرَسُولَهُ} وما زالوا يضمرون