حتى اضطر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التنكيل بهم وإجلائهم عن المدينة المنورة: {مَّا هُم} أي المنافقون: {مِّنكُمْ} أيها المؤمنون لأنهم لم يعتنقوا الإسلام عن عقيدة ثابتة وإيمان صحيح بالله يجعلهم يعتمدون على الله الاعتماد كله ويبذلون كل مرتخص وغال في سبيل مرضاته ولا يخافون غيره ولا يرتجون الخير من سواه: {وَلا مِنْهُمْ} أي وليسوا من اليهود لأنهم أيضًا لا يدينون بدينهم ولا يعتقدون أنهم على الحق فهم والحالة هذه لا دين لهم وإنما هم يعبدون المادة ولا يهمهم إلا أن يعيشوا في الحياة آمنين على أنفسهم وأموالهم وينعمون بلذائذ العيش وأنواع الشهوات: {وَيَحْلِفُونَ} بالله: {عَلَى الْكَذِبِ} أنه حقيقة: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنه كذب بمعنى أنه ليس لله حرمة وجلال عندهم فلا يخافون من نقمته وبأسه ولو كانوا ممن يؤمن بعظمة الله لما جرؤوا على القسم بذاته العلية في أمر يشكون في صحته فضلًا عن أن يعلموا بأنه من مفترياتهم: {أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} في الدنيا لا يعرف كنهه غيره سبحانه وتعالى ولعل المراد به عذاب البرزخ بعد الموت وقبل البعث: {إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي من مخادعة المؤمنين وموالاة أعداء الله وعدم الاكتراث بمقام الألوهية العظيم: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ} بفتح الهمزة أي الحلف بالله وقرئ بكسرها أي تظاهرهم بالإيمان: {جُنَّةً} أي سترًا يخفون وراءه ما يضمرون من نفاق وكيد للإسلام: {فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ} بإلقاء الشبهات في القلوب ودس السموم في المعتقدات وتشكيك المؤمنين في دينهم وإضعاف ثقتهم بربهم: {فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} يوم القيامة: {لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئًا} بمعنى لا ينفعهم إلا ما قدمت أيديهم من عمل صالح: {أُوْلَئِكَ} المنافقون: {أَصْحَابُ النَّارِ} أي الذين يستحقون دخولها بما اقترفوا من السيئات: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لأن الله جلت قدرته قد أنذرهم بهذا ولا عذر بعد الإنذار: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا} ليناقشهم الحساب في كفرهم ونفاقهم: {فَيَحْلِفُونَ لَهُ} أنهم كانوا من المؤمنين به: {كَمَا} كانوا: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ} في الدنيا: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ} من الإيمان لأنهم كانوا ينطقون بكلمة الشهادة أو لمجرد انتسابهم لدين الإسلام وإقامة شعائره في الظاهر وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم: «وإن منكم من يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار» .
{أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} الذي يختلقون ما يقولون ولا يخجلون: {اسْتَحْوَذَ} أي استولى: {عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ} وتحكم فيهم فأطاعوه: {فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ} عند ارتكابهم تلك السيئات فلم يذكروا أن