ويراد بها هنا محاربة النفس وتخلي المرء عن بعض ما هو في حاجة إليه أوجابنا من ثروته التي أنعم الله بها عليه لوجه الله: {فَإِن لَّمْ تَجِدُوا} شيئًا تتصدقون به: {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لا حرج عليكم إذ أن هذه الصدقة لم تشرع إلا لتكون محكًا لاختبار مدى حبكم لله وخروجكم عن بعض الأموال العزيزة لديكم من أجله، وأن في حرصكم على مناجاة الرسول وسؤاله عن أمر دينكم ودنياكم مع تخلفكم عن تقديم الصدقة ما يدل على عجزكم عنها وسيكتفي الله بهذا القدر منكم دون مناقشة لأن من صفاته جل وعلا الرحمة والمغفرة: {أَأَشْفَقْتُمْ} أي فلا يعقل أن تبخلوا في سبيل مناجاة رسولكم: {أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ} مع أنه لم يحدد لكم مقدارها بل قال صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة» ،: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا} أي وحيث إنكم لم تفعلوه ولم تقدموا هذه الصدقة: {وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ} بمعنى وقد تسامح الله فقبل منكم هذا العذر على علاته: {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} أي فعليكم أن لا تقصروا في أداء ما فرضه الله عليكم من واجب الصلاة: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} المفروضة على أموالكم ولا تترددوا في إخراجها عن طيب نفس: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ} بمعنى تجنبوا المعاصي ما ظهر منها وما بطن: {وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} وسوف ينبئكم ويجزيكم وفق دستوره الذي أعلنه لكم، ومن هذا يتضح أن حكم الله في تقديم الصدقة عند مناجاة الرسول لم ينسخ بالآية التي بعدها أو بموجب الزكاة كما رآه المفسرون، وحيث أن مناجاة الرسول هي بمثابة مناجاة الله لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ} فإنه يستدل على مفهوم هذه الآية الحض على تقديم الصدقة لله كلما دعا الداعي لمناجاته تعالى في كل أمر يهم الإنسان أن يناله من مولاه والله أعلم.
بعد أن أكد الله لرسوله كمال علمه بأسرار العباد وفصل ما تناجى به اليهود من الإثم والعداون ومعصية الرسول ما يلبسونه عليه في التحية وما يداخلهم نحوه من شكوك أخذ ينبهه إلى فريق آخر مِن مَن حوله كان صلى الله عليه وسلم يحسن الظن بهم ويعتبرهم من المؤمنين الصادقين بحسب ما يبدو من ظاهرهم بينما هم في الواقع غير ذلك إنهم قوم منافقون يظهرون غير ما يبطنون فقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا} تولى الشيء لزمه وتولى فلانًا اتخذه وليًّا أي حليفًا أو نصيرًا يركن إليه: {قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِم} وهم كل من لا يؤمن بالله ويراد بهم هنا اليهود الذين جاء ذكرهم في الآيات السابقة لأنهم هم الذين عارضوا جميع الأنبياء السابقين وكادوا للإسلام من أول عهده