فلان» ولم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهة في وجوههم ووجد المنافقون من هذا منفذًا للإفساد بين المسلمين وقالوا لهم ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟ والله ما رأينا من العدل أن يقيم قومًا أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم ويجلس مع من جاء بعدهم فأراد الله جل جلاله أن يلقي على المؤمنين درسًا في أدب المجالسة وكرم الأخلاق وإيثار الآخرين بكل فضيلة ويدعوهم إلى الإقلاع عن بعض تقاليد الجاهلية فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ} وفي قراءة «المجلس» بالإفراد أي وسعوا لغيركم مكانًا معكم فيها: {فَافْسَحُوا} أي فلبوا هذا الطلب واجلسوا من كان في حاجة إلى الجلوس: {يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ} أي يوسع الله لكم في كل ما تحتاجون الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر والجنة كما وسعتم لإخوانكم: {وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا} أي قوموا وتخلوا عن مقاعدكم لإخوانكم: {فَانشُزُوا} فإن من كمال الخلق أن يؤثر المرء أخاه على نفسه بكل فضيلة: {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ} بالله لم يخالفوا هذا الأمر الإلهي: {وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} بأسرار التشريع إذا أدركوا ما في هذا الأمر من محاربة النفس والقضاء على غرورها وأنانيتها وكبريائها فلم يجدوا في أنفسهم غضاضة أو استياء من الإذعان له: {دَرَجَاتٍ} عند الله فيقدر ما يخضع الإنسان نفسه لأوامر ربه ورسوله بقدر ما يسمو وترتفع درجته عنده، ذلك لأن إبليس لم يعص ربه إلا عندما تملكه الغرور بنفسه فأبى أن يطيع ربه ويسجد لآدم وقال: {أأسجد لمن خلقت طينًا} : {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} .
{وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فهو سبحانه يرفع في الدرجات بقدر ما يعلمه من أعمال العباد الظاهرة والخفية. ثم أنه بمناسبة النهي عن النجوى وعلى ذكر أدب المجالسة ومحاربة النفس شرع الله للناس وسيلة لمناجاة رسوله في كل ما يهمهم وهي أن يسبق المناجاة التقرب إلى الله بالتخلي عن جانب المادة التي يتكالب الناس عادة على جمعها لما في ذلك من تزكية للنفس وتطهير لها مما اجترحت من السيئات فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} تنفقونها في سبيل الله لتطيب بها نفوسكم وتزكوا أنفاسكم ويكون لنجواكم قبول عند الله: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ} في دينكم لأن الصدقة لله أشبه بالهدية يقدمها القادم من السفر لمن سيفد عليه: {وَأَطْهَرُ} لأنفسكم لأنها تعبر عن مبلغ احتقاركم للمادة في سبيل رضوان الله وحسن مثوبته