الصفحة 1411 من 1760

باقترافهم لما اقترفوه من السيئات المتعددة استحقوا تعجيل فرض عقوبة عليهم ليتوبوا ويرجعوا إلى الله فيرفع عنهم هذه العقوبة فلم يفعلوا فكانوا بهذا ظالمين لأنفسهم: {ثم إن ربك} قد قضى في دستوره السماوي: {للذين عملوا السوء} ويراد به كل ما لا ينبغي فعله من الكفر وسائر المعاصي: {بجهالة} أي وهو لا يعلم أن ما صدر منه يعد كفرًا أو معصية: {ثم تابوا} إلى الله والتوبة لا تكون إلا أثرًا من آثار الشعور بالخطأ: {من بعد ذلك} أي عمل السوء بالجهالة: {وأصلحوا} أعمالهم السيئة بالإتيان بها على الوجه الذي يرضي الله: {إن ربك من بعدها} أي بعد التوبة: {لغفور} لذلك السوء: {رحيم} يثيب على ترك المعاصي أكثر مما يثيب على فعل الصالحات فالإنسان مهما أمعن في المعاصي ثم خاف الله ورجع إليه تائبًا نادمًا مستغفرًا وأخلص لله عمله محا الله سيئاته وأبدلها برحمته حسنات فهو القائل: {إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورًا رحيمًا} .

بعد أن وجه الله خطابه للناس جميعًا ونبههم إلى: أنه تعالى هو الذي أوجد لهم أساس الرزق وألهمهم طريقة كسبه فعليهم أن يقدروا له تلك النعم ويشكروه عليها أخذ يقص على رسوله خبر فرد واحد من البشر استطاع أن يتنبه إلى هذه الحقيقة من تلقاء نفسه فعمل على التعرف على ربه والرجوع إليه في سره وجهره والدعوة إلى توحيده مخالفًا ما كان عليه قومه من الشرك وعبادة الأوثان معرضًا نفسه لأشد أنواع العذاب فتولاه الله برعايته وحفظه وأغدق عليه وافر نعمه واعتبره إمامًا للموحدين، وقدوة للصالحين على ممر السنين، وكانت هدايته إلى ما هدي إليه ثمرة من ثمرات تجنبه الشرك فقال: {إن إبراهيم} وهو واحد من أفراد البشر: {كان} بمفرده: {أمة} أي يعدل أمة بأسرها فقاومها ورجح عليها عقلًا وقوة، فقد ولد من أب كان يصنع الأصنام ويدعو الناس إلى عبادتها وتربى بين قوم مشركين ومع ذلك فإنه شذ عنهم جميعًا وأنكر بفطرته وكامل عقله ما كان عليه قومه وأخذ يتأمل في السماء وما فيها من الكواكب العظيمة حتى استدل من أفولها على وجود خالقها فآمن به ودعا إلى توحيده وأعلنها حربًا بمفرده على الأمة بأجمعها في أقدس شيء عندها وهو العقيدة دون أن يعبأ بكثرتها وما لديها من وسائل التعذيب فكان وحده بحق أمة لها مؤهلاتها من أربع نواحي الناحية الأولى أنه كان: {قانتًا لله} فلم يذل ولم يخضع لأحد سواه، الناحية الثانية أنه كان: {حنيفًا} أي مائلًا ومنحرفًا في عقيدته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت