الصفحة 1408 من 1760

تعالى قد طبعهم على الكفر وحال دونهم ودون الإيمان إذ يكونون في هذه الحالة معذورين وغير مؤاخذين، ولمنع تطرق هذا الوهم إلى النفوس وصفهم الله بالغفلة فقال: {وأولئك هم الغافلون} الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ وقد توعد الله الغافلين بالعذاب في مواضع كثيرة من القرآن وعليه: {لا جرم} أي لا بد ولا محالة: {أنهم في الآخرة هم الخاسرون} لما صدر منهم من الأعمال الستة الآتية «أولًا» لأنهم عرضوا أنفسهم لغضب الله «ثانيًا» لأنهم رضوا بالعذاب العظيم بعد أن أعلنوا به «ثالثًا» لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة «رابعًا» لأنهم لم يسلكوا السبل المؤدية للهداية «خامسًا» لأنهم عطلوا حواسهم عن تبين الحقائق «سادسًا» لأنهم رضوا أن يكونوا من الغافلين.

بعد أن بين الله حكم من كفر بعد إيمانه وحكم من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان أردف ذلك بحكم من لم يكن واحدًا من هذين فقال: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا} بضم الفاء أي الذين فتنهم المشركون فجاروهم على ضلالهم ولم يؤمنوا بالله ولم يهاجروا مع رسوله وقرئ «فتنوا» بفتح الفاء أي الذين ساهموا في فتنة الناس وتضليلهم وحالوا دونهم ودون الهجرة، هؤلاء إذا هاجروا ابتغاء مرضاة الله وأعلنوا إسلامهم: {ثم جاهدوا} في سبيل إعلاء كلمة الله بأقوالهم وأعمالهم: {وصبروا} على ما يصيبهم من فقر وضيق أو أذى نتيجة الشك في إسلامهم: {إن ربك من بعدها} أي بعد تلك الأعمال -الهجرة والجهاد والصبر- التي لا يعلم بمدى إخلاص الناس فيها غير الله: {لغفور رحيم} أي سيشملهم بمغفرته ورحمته: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} أي يوم يأتي كل إنسان يدافع عن ذاته ولا يهمه أمر غيره كقولهم: {فأضلونا السبيلا} وقولهم: {والله ربنا ما كنا مشركين} ويقول الله: {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} .

{وتوفى كل نفس ما عملت} أي تنال جزاء ما قدمت من عمل من غير بخس ولا نقصان: {وهم لا يظلمون} وهذا ينفي ما يزعمه القائلون بأن لله أن يعذب الطائع ويثيب العاصي لأن هذا ظلم ومعناه أنه يجوز له أن يظلم والله منزه عن الظلم وإنما نقول إن لله أن يرحم العصاة ولا يمكن أن يضيع أجر المحسنين ورحمته وسعت كل شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت