الصفحة 1393 من 1760

لضلال أولئك الذين يشبهونه تعالى بخلقه: {عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء} أي عاجزًا عن الكسب: {ومن} أي وعبدًا آخر: {رزقناه منا رزقًا حسنًا} بمعنى ملكناه وقدرناه على السعي لنيل الرزق فهو: {ينفق منه} أي من رزق الله: {سرًّا وجهرًا} أي كثير الإنفاق: {هل يستوون} أي هل يجوز أن نشبههما ببعض ونسوي بينهما في المقام والاحترام لاستوائها في البشرية والعبودية لا شك إن العقل لا يسلم بذلك فكيف يجوز للعاقل أن يشبه الله الخالق الرازق صاحب الأفضال والنعم العظيمة بغيره من المخلوقات: {الحمد لله} الذي جعل العقول كلها تجمع على عدم جواز ذلك إذن فما الذي يحمل الناس على ضرب الأمثال به جل وعلا إذ يشبهونه بملوك الدنيا في الاستبداد في الحكم ويجيزون التقرب إليه بالوسطاء والشفعاء من خلقه، هل فقد هؤلاء عقولهم؟ هذا ما أجاب عنه سبحانه بقوله لا: {بل أكثرهم لا يعلمون} أي إن العلة في ذلك هو جهلهم بأن هذا لا يليق بمقام الألوهية فما يراه العقل جائزًا قد لا يرضى الله بنسبته إليه: {وضرب الله مثلًا} آخر لمن هم أشد ضلالًا وبعدًا عن منطق العقل وهم الذين يعبدون الأصنام من دون الله فقال: {رجلين} متساويين في الجنس مختلفين في الطبائع والصفات: {أحدهما} متصف بأربع خصال فهو: {أبكم} لا يحسن النطق و: {لا يقدر على شيء} من الأعمال إذ هو ضعيف البنية: {وهو كل} أي عبء ثقيل: {على مولاه} أي من يعوله ويلي أمره لأنه يتعب في العناية به بدلًا من الاستفادة منه حتى الأمور البسيطة: {أينما يوجهه} أي يرسله مولاه برسالة تافهة: {لا يأت بخير} أي لا يستطيع أن يؤدي الرسالة كما ينبغي فلا يعود عليه بخير أبدًا: {هل يستوي هو} أي من يتصف بهذه الصفات: {ومن يأمر بالعدل} أي رجل آخر أوتي من العلم والذكاء والفهم ما يؤهله لدرجة الحكم وإقامة العدل بين الناس: {وهو على صراط مستقيم} أي وهو في ذاته وأحواله الشخصية مثال الخلق الطيب والاستقامة في العمل لا شك إن العقل لا يسلم قطعًا بأن يسوي بين الرجلين في الفضل والشرف أو أن يشبه أحدهما بالآخر مع استوائهما في البشرية فما بالك بمن يجعل الأصنام من الجمادات أو غيرها مساويًا لرب العالمين في الألوهية والتقديس فيضرب به الأمثال والله: {ليس كمثله شيء} تعالى عما يصفون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت