بطونه أي بطون الأنعام فالتذكير هنا لمراعاة جانب اللفظ فإنه اسم جمع: {من بين فرث} وهو ما يبقي في الكرش من المأكولات: {ودم} يتولد من الأجزاء اللطيفة من الفرث ثم يصفيه الله ويجعله: {لبنًا} ناصع البياض مخالفًا للون الدم: {خالصًا} من الأدران والقاذورات التي توجد في الفرث: {سائغًا للشاربين} أي سهلًا لذيذ الطعم لا يأنف منه أحد بينما هم يأنفون مما كان أصلًا فيه وهو الفرث والدم فهذه القدرة التي جعلت في بطن الأنثى من الأنعام معملًا لتحويل الطعام إلى فرث ومنه إلى لبن مكرر معقم من جميع الميكروبات يختلف عن أصله في اللون والطعم ويجعل منه شرابًا لذيذًا سائغًا بعد أن كان شيئًا قذرًا لا شك إنها تشهد بوجود خالق عظيم ومدبر حكيم هو الله رب العالمين, وثم دليل رابع ظاهر للعيان هو قوله: {ومن ثمرات النخيل والأعناب} أي وجعلنا لكم أيضًا عبرة من هاتين الثمرتين ما: {تتخذون منه} عصيرًا: {سكرًا} محرمًا وهو الخمر بعد أن كان مخلوقًا للتغذية: {ورزقًا حسنًا} كالعصير قبل أن يتخمر والدبس والخل أي إن الله هو الذي مكنكم من استخراج ما حرم وما حل من هاتين الفاكهتين ليكون لكم بذلك الخيار الكامل في اتخاذ ما تريدون منها: {إن في ذلك} أي فيما قدره وأودعه سبحانه وتعالى في عصير هاتين الفاكهتين من خواص ومنافع جعلكم تهتدون إلى طريقة الاستفادة منها: {لآية لقوم يعقلون} أي إن كل عاقل لا بد وأن يعلم بالضرورة أن هذه الأحوال لا يقدر عليها أحد سوى الله الحكيم القادر على كل شيء وثم دليل خامس على عظيم قدرة الله وسلطانه على جميع مخلوقاته هو قوله: {وأوحى ربك إلى النحل} أي إن الله قد ألقى في نفس النحل وهو ذلك الحيوان الأعجم أن يقوم بأعمال عجيبة يعجز عنها العقلاء من البشر هي قوله: {أن اتخذي من الجبال بيوتًا} تأوين إليها مسدسة من أضلاع متساوية على طراز واحد لا يزيد بعضها على بعض ولا يستطيع الإنسان أن يجاريها بمثل تلك الدقة إلا باستعمال الآلات: {ومن الشجر ومما يعرشون} أي ولك أن تتخذي مثل تلك البيوت في الشجر وفي ما يعرشه الناس من الخلايا ويعدونه لك: {ثم كلي من كل الثمرات} أي وكلي من كل ما طاب من الزهور والأثمار ولا تأكلي مما هو ضار: {فاسلكي سبل ربك} أي الطرق التي ألهمها الله لك في إخراج العسل: {ذللًا} هذا حال من السبل أي التي ذللها الله وسهلها لك كقوله تعالى: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا} أي من غير عناء: {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه} هو