بكم من نعمة فمن الله أي أن جميع ما ينعم به الإنسان في هذه الحياة من النعم الظاهرة والباطنة الحسية والمعنوية كلها من الله خالقها ومقدرها وواهبها.
فنعمة السمع والبصر مثلًا من الله ولو شاء اسلبها من الحيوان لا معارض له وكذلك الرزق من الله أرشد الحيوان إلى طريقة نيله ولولا ذلك لما حصل عليه. وحتى نعمة الإيمان فهي من الله الذي خلق العقول وهداها إليه عن طريق كتبه ورسله: {ثم إذا مسكم الضر} بزوال شيء من النعم: {فإليه تجأرون} أي لا ترفعون أصواتكم بالاستغاثة والدعاء إلا له جل وعلا لعلمكم بأنه ليس في مقدور أحد أن يكشف عنكم الضر ويعيد إليكم تلك النعم غيره: {ثم إذا كشف الضر عنكم} واستجاب لدعائكم: {إذا فريق منكم بربهم يشركون} أي أنه في حال الشدائد يجمع الناس بفطرتهم على الرجوع إلى الله وأما في حال اليسر وكشف الضر يفترقون فمنهم من يقدر لله نعمه ويبالغ في شكرهم ومنهم من يزعم بأن ما ناله كان بتأثير الأسباب التي زوالها كما هو شأن أكثر الناس في عصرنا هذا, وهذا منتهى الضلال, ذلك لأن تأثير السبب في المسبب أو خاصية العلاج في الشفاء لم يكن إلا بقدر الله ولولاه لما كان ذلك التأثير أو الشفاء فالمؤثر الحقيقي والشافي هو الله وحده: {ليكفروا بما آتيناهم} أي وما كان ذلك الإشراك منهم إلا لإنكار نعم الله عليهم ومخالفتهم لمقتضى الفطرة الأصيلة: {فتمتعوا} أيها المشركون الكافرون بنعم الله عليكم وإن جحدتم واهبها لكم: {فسوف تعلمون} عاقبة أمركم بما يحيق بكم من العذاب يوم القيامة.
بعد أن أعلن الله لعباده بأن النعم كلها من الله وأخبرنا بأنه تعالى قد فطر الناس على اللجوء إليه في حال الشدة ليتم نعمه عليهم بكشف الضر عنهم وترك لهم الخيار في شكر النعم أو جحودها في حال اليسر ونبههم إلى وجه من أوجه الكفر بنعم الله وذلك بأن يشرك الإنسان الأسباب مع الله في تفريج الكرب أو شفاء الأمراض أخذ يعدد أنواعًا من الكفر بالله التي كان عليها العرب في الجاهلية الأولى قوله: {ويجعلون} أي الذين هم بربهم يشركون: {لما لا يعلمون} أي إنهم يثبتون النفع والرزق لما لم يكن لديهم علم بحقيقة أمره من الأصنام وأشباهها ممن يزعمون أنها تنفعهم وتشفع لهم: {نصيبًا مما رزقناهم} من الزرع والأنعام التي منّ الله بها عليهم إذ يقولون إنها ببركتهم مع أنه لا علاقة لهم بخلقها ولا بما يأتي منها: {تالله لتسألن عما كنتم تفترون} أي إن