الصفحة 1382 من 1760

بعد أن عدد الله الأسباب التي من أجلها أنكر المشركون أمر البعث وختمها بإصرارهم على ذلك وتأكيد ذلك بالقسم على جحوده الأمر الذي قد يحملهم على إيذاء من يخالفهم من المسلمين المؤمنين بأمر البعث وإنزال أنواع العذاب بهم أخذ يحبب إلى المؤمنين الهجرة من ديار الكفر فرارًا بدينهم وحفظًا لكرامتهم فأوحى إلى رسوله بما ضمنه سبحانه وتعالى لهم من سعادة الدارين فقال: {والذين هاجروا} من ديارهم: {في الله} أي في سبيل إرضاء الله وإقامة لشعائره: {من بعد ما ظلموا} سواء بمصادرة أموالهم أو التضييق عليهم في أمر معاشهم أو الحيلولة دونهم ودون إقامة شعائر دينهم ونشر الدعوة إليه: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة} أي لنسكننهم ديارًا أخرى أحسن من ديارهم التي هاجروا منها يسعدون فيها بنعمة الأمن على أنفسهم أموالهم والاحتفاظ بدينهم وما يقربهم إلى ربهم: {ولأجر الآخرة} على الهجرة: {أكبر} مما سيجعل لهم في الدنيا: {لو كانوا} أي المهاجرين: {يعلمون} إذن لما تألموا مما يصيبهم من أضرار مادية بسبب الهجرة وشدائدها ولأقبلوا عليها بكل شوق وسرور: {الذين صبروا} على مفارقة الوطن وتحمل المشاق في سبيل الله: {وعلى ربهم يتوكلون} في أمر معاشهم على فضل الله ومعونته وتيسيره إلى جانب سعيهم لبلوغ ذلك وفق سنن الله من الأعمال المشروعة.

بعد أن أوحى الله إلى رسوله بما ضمنه تعالى من حسن جزاء للمهاجرين في الدنيا والآخرة أخذ يؤكد هذا الضمان بتأييد رسالة رسوله بتفصيل ما اقتضته حكمته الإلهية وما جرت به سنته في تبليغ رسالته العامة للبشر من أنها لا تكون إلا بواسطة فرد منهم يختاره سبحانه وتعالى لذلك ويوحي إليه بما يؤيد رسالته فقال: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم} فلا محل لاعتراض قومك على رسالتك بمثل ما اعترضت به الأمم السابقة على رسالة رسلها بما حكاه الله عنهم بقوله: {ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرًا مثلكم إنكم إذًا لخاسرون} فما عليك إلا أن تحيل المعترضين إلى أنفسهم ليتأكدوا من هذه الحقيقة بقوله لهم: {فاسألوا أهل الذكر} من علماء الأخبار هل كان فيما علموه أن تكون الرسالة من الله للبشر عامة عن طريق الوحي مباشرة لكل فرد أم لرجال خصوا بالتقى والصلاح وتحمل أعباء الرسالة: {إن كنتم لا تعلمون} أي لم يصل إليكم العلم: {بالبينات} أي بأمر المعجزات التي أجراها الله على أيدي من اصطفاهم لرسالته: {والزبر} أي الكتب المنزلة عليهم: وأنزلنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت