وساءت مرتفقًا أما إلجاء الناس على اتباع أحد الطريقين فهذا ما لم يكن من مشيئة الله وليس هو من وظائف الرسل المحصورة في التبليغ ولا هو من الحكمة التي يقوم عليها أمر تكليف العباد الذي يترتب عليه الثواب والعقاب, ولأجل أن يوجب الله على الناس الإيمان برسله ويفهمهم أنه تعالى لم يشأ الضلال لعباده أصلًا وإنما شاء لهم الهداية إذ أرسل لهم رسله ليرسموا لهم سبيل منالها قال: {ولقد بعثنا في كل أمة} من الأمم السابقة: {رسولًا} من قبلنا يبلغهم ما نريده منهم مما أوحي به إليهم من قولنا: {أن اعبدوا الله} ربكم إلهًا واحدًا لا شريك له: {واجتنبوا الطاغوت} أي الشيطان وكل ما يدعو إلى الضلالة وهذا بلا شك بيان لما يرضي الله وما يغضبه من أعمال العباد وبرهان قائم على ما منحه تعالى للعباد من اختيار تام في جميع تصرفاتهم بعد ذلك فلما بلغوهم ما أمروا به انشطروا إلى فريقين: {فمنهم} أي من تلك الأمم: {من هدى الله} إلى الحق باستجابتهم لدعوة الله وصرف قدرتهم بمحض اختيارهم إلى عبادة الله واجتناب الطاغوت: {ومنهم من حقت} أي وجبت وثبتت: {عليه الضلالة} وفق مشيئة الله في حق من أعرض عن سلوك سبيل الهداية وصرف قدرته بمحض اختياره إلى اتباع الطاغوت الذي نهي عنه: {فسيروا} يا عباد الله: {في الأرض فانظروا} في أنحائها: {كيف كان عاقبة المكذبين} لرسل الله فيما جاؤوا به من عند الله من الشرائع إذ لو كان ما يقولونه حقًّا لما أرسل الله الرسل لبيان ما يضر الناس وما ينفعهم ولما حل بهم ما حل نتيجة إعراضهم عن ذلك, ولأجل أن يثبت الله لعباده أن أمر الهدى والضلال عائد لمشيئة الإنسان التي منحها الله له لا ما شاءه تعالى عليه من الأزل ختم الله الآية بما يشعر رسوله بأن ما يبذله من جهد لإقناع قومه بالإيمان لا يمكن أن يجعلهم مؤمنين إلا أن يشاؤوا ذلك لأنفسهم بمحض اختيارهم لا ما يحبه الرسول لهم فقال: {إن تحرص} أيها الرسول: {على هداهم} أي على هداية المكذبين لك إلى الإيمان بمختلف الوسائل التي منها الدعاء لهم بالهداية: {فإن الله لا يهدي} من أجل حرصك هذا: {من يضل} أي من يقضي نظام المشيئة ضلاله ممن أشار الله إليهم بقوله: {وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون} .