الصفحة 1379 من 1760

ولأغوينهم أجمعين اعتبر الله تصديقها والقول بها شركًا منافيًا لما أنزل الله فقال: {وقال الذين أشركوا} مع الله إبليسًا لأنهم صدقوا غوايته وكفروا بما أنزله على رسله وما جاء في كتبه إذ قالوا: {لو شاء الله} أن نعبده وحده: {ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا} أي لم يكن في استطاعتنا أن نعبد غيره فنحن بعبادتك لذلك الغير طائعون لله منفذون لما قضي به علينا وشاءه منا: {ولا حرمنا من دونه من شيء} أي لم يكن من حقنا أن نحرم شيئًا على أنفسنا لم يسمح لنا بتحريمه فهو صاحب الأمر المطلق الذي أنطقنا وأنطق كل حي: {كذلك} أي بمثل هذا القول وتحت تأثير هذه العقيدة الفاسدة من وحي الشيطان: {فعل الذين من قبلهم} أي كان الناس في العصور الغابرة يستبيحون لأنفسهم كل شيء ويقولون هذه إرادة الله وما قضت به مشيئته فينا التي لا راد لها, ولذلك لم يعبئوا بدعوة الرسل إليهم للإيمان, ولا يزال كثير من المسلمين اليوم يقول مثل هذا القول وهو لا يدري بأن هذا هو الضلال بعينه وقد رد الله على قولهم هذا بما يدل على أنه لو كان الأمر كما يزعمون لما أرسل الله لهم رسلًا تصحح مفهومهم لمعنى المشيئة وتؤكد لهم أن مشيئة الله هي أحكامه العامة أو نظامه الذي شاء المخلوقات عليه من الأزل والذي أعلنه لعباده على لسان رسله بما يحبه وما يكرهه منهم وهو ينقسم إلى قسمين أحكام قاطعة تسمى بالقضاء النافذ الذي لا دخل لمخلوق فيه كالخلق والتكوين والتذكير والتأنيث وأحكام موقوتة ومعلقة بشرط أو شروط لا تنفذ إلا بتوافرها تسمى بالقدر وقد علق الله أمر نفاذها على مشيئة الإنسان وعمله وهي عبارة عن السنن والأنظمة التي وكل الله أمر تطبيقها إلى الناس في هذه الحياة لينالوا عليها الجزاء عاجلًا أم آجلًا وإلى هذا أشار بقوله: {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} أي أن إرسال دليل قائم على بطلان ما يزعمون إذ أن مهمة الرسل محصورة في تبليغ الرسالة تبليغًا يوضح ما اقتضته مشيئته تعالى الأزلية من حرية الإنسان الكاملة في هذه الحياة وإفهامه أن هداية الله له معلقة بسلوكه السبل التي سنها لنيل رضاه بمحض اختيار الإنسان كما قال تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا كما أن ضلاله للإنسان مبني على إعراضه من تلقاء نفسه وبمحض اختياره عن سلوك سبل الهدى من الإيمان والعمل الصالح وسلوك سبل الضلال كما قال تعالى: وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت