الحرية للإنسان فيها: {يجزي الله المتقين} أي الذين راقبوا الله في الدنيا فخافوا عقابه وانتهوا عن كل ما يغضبه وقد وصفهم الله بقوله: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين} أي طاب لهم إخراج الملائكة لنفوسهم من أجسامهم عند نزع الروح منها وفرحوا بلقاء رضوان الله بالوفاة ولم يأسفوا على الحياة ونعيمها الزائل لزهدهم فيها ووثوقهم برحمة الله: {يقولون} أي يقول الملائكة لهم يوم القيامة: {سلام عليكم} أي لا خوف عليكم اليوم: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} من أعمال صالحة وعدكم الله بحسن الجزاء عليها والله لا يخلف الميعاد.
بعد أن بين الله السبب في ضلال الكافرين ومصيرهم ومصير المؤمنين أخذ يذكر الكافرين بما هم سائرون إليه حتمًا إذ هم لم يثوبوا إلى رشدهم ويرجعوا عن غيهم فيحل بهم ما حل بمن سبقهم من الأمم فقال: {هل ينظرون} أي ماذا ينتظر المكذبون بآيات الله: {إلا أن تأتيهم الملائكة} الموكول إليهم قبض أرواحهم وانتزاع أنفسهم وهذا أمر محتوم لا مفر منه: {أو يأتي أمر ربك} باستئصالهم: {كذلك} أي مثل فعل هؤلاء من الشرك والظلم والتكذيب بالرسل: {فعل الذين} خلوا: {من قبلهم} من الأمم السابقة فأنزل الله بهم عذاب الاستئصال: {وما ظلمهم الله} إذ عجل لهم العذاب بعد أن أنذرتهم رسلهم به: {ولكن كانوا} بعدم تصديقهم لتلك الإنذارات والاستمرار في الضلال: {أنفسهم يظلمون} إذ عرضوها لحلول ما يترتب على ذلك الضلال وفق سنن الله: {فأصابهم سيئات ما عملوا} أي أن الذي أصابهم ما كان إلا نتيجة ظلمهم لأنفسهم وإصرارهم على الأعمال التي تؤدي إلى مثل ذلك المصير: {وحاق بهم} أي أحاط بهم: {ما كانوا به يستهزئون} من العذاب الذي كانت تتوعدهم به الرسل من قبل.
لقد ذكر الله السبب الأول من أسباب إنكار أمر البعث وهو عدم اعتراف الذين لا يؤمنون به بالقرآن كتابًا منزلًا الأمر الذي حملهم على عدم الأخذ بما جاء فيه ثم أردف ذلك بذكر سبب آخر لإنكار البعث هو عدم اعترافهم بالحاجة إلى إرسال الرسل وما يوعدون إليه من عبادة الله, لاعتقادهم بأن الله قد شاء لآدم بالسعادة من الأزل فسعد. وشاء لإبليس الشقاء فشقي, والناس في هذه الحياة مسيرون وفق مشيئته تعالى لا طاعة ولا عصيان فكل شيء من الله ولا قدرة للإنسان على معارضة أمره, ولما كانت هذه العقيدة باطلة وهي منبعثة من وساوس الشيطان الذي هو أول من نسب ضلاله إلى الله حيث قال: رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض