اليابس الذي يصلصل ويصوت إذا نقر وهو غير مطبوخ وإذا طبخ يسمى فخارًا: {من حمأ} وهو الطين الذي يتغير ويسود من مجاورة الماء: {مسنون} أي مصور ومفرغ على هيئة الإنسان: {والجان خلقناه من قبل} من قبل خلق الإنسان: {من نار السموم} السموم الريح الحارة التي تنفذ من المسام وتؤثر تأثير السم في الجسم فتميت الإنسان أي أنها لم تخلق من شيء مادي بل خلقت من حرقة من ريح السموم وقد ورد في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله «خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من نار وخلق آدم مما وصف لكم» وهنا أراد الله جل جلاله أن يبين لرسوله كيف تم ذلك الخلق ومن أين جاءت إليه الحياة وبم استحق التفضيل على من سواه فقال: {وإذا قال ربك} أي واذكر أيها الرسول لقومك قول الله: {للملائكة} قبل خلقه للإنسان: {إني خالق} فيما سيأتي: {بشرًا} أي جسمًا كثيفًا ذا بشرة تلمس بخلاف الملائكة والجن فإنه ليس لهم أجسام تلمس كأجسام البشر: {من صلصال من حمأ مسنون} أي من أشياء مادية وضيعة: {فإذا سويته} أي جعلته مستوي الخلقة بالصورة الإنسانية التي أريدها له: {ونفخت فيه} النفخ إجراء الريح إلى تجويف جسم صالح لإمساكها ويراد به الامتلاء: {من روحي} ومن هذا نفهم أن الروح في ذاتها ليست شيئًا ماديًا ولا جوهرًا نورانيًا يسري في الجسم كسريان الماء في العود أو الدهن في الزيتون كما يقوله بعض العلماء بل هي كما أخبرنا القرآن: {من أمر ربي} أي مشتقة من الأمر الإلهي كما نفهم أن النفخ لم يكن إلا عبارة عن تعلق قدرة الله وتسلط إشعاع من قوته تعالى الخفية إلى الجسم المادي فتدب فيه الحياة وتكسبه الحركة والنمو كتسلط التيار الكهربائي من المستودع العام في الأسلاك الممتدة إلى البطارية لتملأها قوة بحيث تصير محلًا للإضاءة دون أن يحل فيها أي شيء مادي: {فقعوا له ساجدين} أي خروا له سجدًا سجود إجلال وتقدير باعتباره مظهرًا للقوة التي تسلطت عليه وجعلته إنسانًا ومظهرًا للقدرة الإلهية: {فسجد الملائكة} للبشر بعد أن دبت فيه الحياة وتجلت فيه قدرة الله: {كلهم أجمعون} دفعة واحدة لم يتخلف أحد منهم: {إلا إبليس} استنتج أكثر من المفسرين من هذا الاستثناء أن إبليس كان من الملائكة بل قالوا إنه كان طاووس الملائكة أي من رؤسائهم وأنه ما ترك شبرًا إلا سجد لله فيه وصدقهم الناس إلى يومنا هذا، وما كان لهم أن يقولوا ذلك ويصروا عليه حتى بعد قول الله: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} وبعد ما وصف