لكم على الإضلال عن سبيل الله كما قال تعالى في سورة الزمر: {وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبًا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادًا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلًا إنك من أصحاب النار} ولما كانت هذه الآية قد تشعر بأن التمتع بملاذ الحياة مما يؤدي إلى النار فينبغي تركها أردف ذلك بما يصحح هذا الفهم ويشير إلى أن التمتع بأنواع الملذات في هذه الحياة أمر مشروع لا بأس به ما دام مقترنًا بطاعة الله فقال: {قل لعبادي} بفتح الباء وقرئ بسكونها: {الذين آمنوا يقيموا الصلاة} أي يواظبوا عليها في أوقاتها: {وينفقوا مما رزقناهم} أي من بعض ما خلقناه لهم من أنواع الرزق: {سرًّا} في حال التطوع لما في ذلك من كرامة المتصدق عليه: {وعلانية} في حال إخراج الزكاة المفروضة ليتبارى الناس في هذا الميدان ولا يتخلف منهم متخلف: {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال} أي لا يمكن ابتياع الحسنات ولا الحصول عليها عن طريق المحبة كما قال تعالى في سورة البقرة: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} .
بعد أن ذكر الله مصير الكافرين بنعمه الذين اتخذوا له تعالى أندادًا ثم أمر المؤمنين بإقامة شعائر الدين من صلاة وإنفاق من الرزق الذي منَّ به عليهم أخذ يعدد نعمته عليهم ليعرفوه بها وليشعروا بمبلغ فضله عليهم وأنهم إنما يدينون بالسعادة في كل شيء لله جل جلاله فقال: {الله} الذي بدلوا نعمه وجعلوا له الأنداد هو: {الذي خلق السماوات والأرض} دون أن يكون له معين: {وأنزل من السماء ماءً} وزعه في سائر أطراف المعمورة كل بقدر مخصوص: {فأخرج به من الثمرات} أي وجعل من شأنه وطبعه أن ينبت مختلف الثمرات مما يأكل الناس والأنعام: {رزقًا لكم} أي موادًا أساسية لتقيم صلبكم وتحفظ حياتكم ولولا ذلك لمتم من الجوع: {وسخر لكم الفلك} أي ألهمكم صنعها وجعل فيها من المزايا ما يجعلها تطفو على الماء فلا تغرق: {لتجري في البحر بأمره} لتتخذوا منها مركبًا يحملكم فوق سطح الماء ولولا أن الله قد أذن وقدر للمواد الأولية للسفن بأن تطفو على وجهه ولا تغرق. لما كان باستطاعتكم أن تركبوا البحر وتتنقلوا بين البلاد التي يحول البحر بينكم وبينها: {وسخر لكم الأنهار} تخترق الأراضي الشاسعة بمائها العذب لتشربوا منها وتتخذوا منها جداول وترع تسلطوها على الأراضي البور فتنبت لكم مختلف الأشجار ومختلف الزراعات بأبسط الوسائل: {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} أي