بصورة دائمة على عادة مضطردة لتنير لكم سبل العمل والراحة ولتعلموا عدد السنين والحساب: {وسخر لكم الليل} لراحة أجسامكم: {والنهار} لسعيكم في طلب العيش: {وآتاكم من كل ما سألتموه} لقد امتن الله على عباده بأنه آتاهم من كل ما سألوه بصيغة الماضي ولم يقل بكل ما تسألون إشارة إلى أنه تعالى قد قطع على ذاته العلية وعدًا لن يخلفه بإجابة الدعاء وتحقيق الآمال حيث قال: {ادعوني أستجب لكم} وقال أيضًا: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين} وبذلك سجل جل جلاله عليهم هذه المنة فإذا هم لم يثقوا بوعده أو كفروا به فلم يلجئوا إليه في النائبات ودعوا سواه لبلوغ الغايات فلم يظفروا بما يريدون فإنما جرمهم على أنفسهم: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} فإن في تكوين الإنسان وما منحه الله من نعمة السمع والبصر والكلام والصحة وكل جزء من أجزاء جسمه وما أودعه من أنواع الفيتامينات في مختلف النباتات لتغذيته وعلاجه لنعم كبرى لله لا تدرك قيمتها إلا عند فقدانها: {إن الإنسان} بفطرته: {لظلوم} لنفسه يوردها موارد الهلاك من حيث لا يشعر: {كفار} بنعم الله التي تحيط به من كل جانب وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب شفقة عليه ليحول دونه ودون الكفر والظلم.
بعد أن عدد الله نعمه على عباده ليعرفوه بها ويشعروا بمبلغ فضله عليهم أخذ يذكر رسوله بمنشأ الدعوة الإسلامية التي جاء بها جده إبراهيم الخليل عليه السلام ونادى بها من أم القرى فقال: {وإذ قال إبراهيم} أي واذكر قوله مناجيًا ربه إثر رفعه لقواعد البيت الحرام: {رب اجعل هذا البلد} مكة المكرمة: {آمنًا} من سخطك ونقمك وما أنزلته بغيره من البلاد من الخراب والدمار بل اجعله على الدوام عامرًا بالسكان آهلًا بمن يعبدك على ممر الأزمان: {واجنبني} أي بعدني: {وبني} للموجودين وقت الدعاء: {أن نعبد الأصنام} سواء كانت من حجارة أم حديد أم غير ذلك من كل ما سوى الله: {رب إنهن أضللن كثيرًا من الناس} أي كن سببًا في إضلالهم كقوله تعالى: {وغرتهم الحياة الدنيا} : {فمن تبعني} منهم فيما أدعو إليه من التوحيد وإخلاص العبادة لك وتجنب عبادة الأصنام: {فإنه مني} ويهمني أمره وأسألك له التوفيق والهداية إلى أقوم الطرق: {ومن عصاني} أي من بلغته دعوتي فلم يستجب لها: {فإنك غفور رحيم} أي فأمره مفوض إليك إن شئت غفرت له ورحمته وإن شئت عذبته فأنا لا أجرأ أن أدعو له: ربنا إني أسكنت من