لمحض البر كالصدقة وصلة الرحم لا لطاعة الله الذي كانوا يكفرون به: {على شيء} ينتفع به من تلك الأعمال يوم القيامة: {ذلك} أي اعتماد الكافرين على أعمالهم التي هي كالرماد: {هو الضلال البعيد} عن طريق الحق والصواب أو عن نيل الثواب، فمن المعلوم أن عمل الإنسان إنما يعود نفعه إليه لا إلى ربه ولكن الله من واسع كرمه وعظيم رحمته قد وعد المؤمن بالثواب على ما كان بقصد طاعته وابتغاء مرضاته ومتى انتفت هذه الصفة عن العمل فمن الضلال أن يرجو عليه أجرًا وما يكون للكافر الذي لم يعمل الصالحات ابتغاء مرضاة الله أن ينتظر الثواب على عمله يوم القيامة، ولإقامة الدليل على أن إحباط الأعمال إنما جاء بسبب الكفر بالله وعدم الرغبة في ثوابه لا لأن الله قد أراد حرمان شخص بعينه من ثواب عمله قال تعالى: {ألم تر} أيها الرسول أو أيها السامع: {أن الله خلق} وقرئ «خالق» على اسم الفاعل: {السماوات والأرض بالحق} الذي هو الدلالة على وجود الصانع وعظيم قدرته وفائق حكمته فهو: {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} لا معارض له: {وما ذلك على الله بعزيز} أي ممتنع فمن خلق الله على نظام خاص لا يعجزه أن يفنيه ويخلق غيره على نظام آخر وهو الذي اقتضت حكمته أن يكون للعمل الصالح المنبعث عن الإيمان أجر وما سواه لا أجر له ولو شاء أن لا يكون للعمل من أساسه ثواب بالمرة لم يكن هناك من يلزمه به فلم يعد ثمت محل للقول بأن إحباط عمل الكافر ناشئ عن رغبة من الله في حرمانه بل إن ذلك كان بسبب كفره وعصيانه وعدم رغبته فيه لا محالة.
بعد أن مثل الله أعمال الذين كفروا بالرماد الذي يذهب مع الريح وأوضح السر في عدم انتفاعهم بها أخذ يروي ماذا سيكون من محاورة بين عامة الشعب وزعمائهم الذين كانوا يضلونهم بأقوالهم الزائفة التي أدت بهم إلى ذلك المصير بحسب ما يعلمه تعالى عنهم من قبل خلقهم فقال: {وبرزوا} أي ظهر سائر البشر بعد اختفاء طويل في قبورهم إلى الفضاء الواسع على أرض المحشر: {لله} أي لانتظار أمره فيهم: {جميعًا} أي من كافة الطبقات شقيهم وسعيدهم: {فقال الضعفاء} أي ضعفاء الرأي من الأتباع المقلدين: {للذين استكبروا} أي لرؤسائهم الذين كانوا يرون أنفسهم أكبر درجة منهم بما لديهم من علم كالقساوسة والرهبان وعلماء السوء: {إنا كنا} في حياتنا الدنيا: {لكم تبعًا} أي نصدق ما تفتونا به ونعمل بمقتضاه ولا نرد لكم قولًا ولا نعصي لكم أمرًا: {فهل أنتم مغنون} أي دافعون: {عنا} اليوم: {من عذاب الله من شيء} أي هل لكم