وقذف في قلوبهم الرعب فريقًا تقتلون وتأسرون فريقًا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا لم تطؤها وكان الله على كل شيء قديرًا وهكذا أرتنا الأيام مصير سلاطين آل عثمان لما ظلموا والحسين بن علي الذي كان يهدد الناس دائمًا بقوله «اخرجوا من بلادي» حتى أخرجه الله منها وهو صاغر وأخيرًا بما حل بملك مصر وملك العراق وإن في ذلك لعبرة لمن اعتبر: {واستفتحوا} أي استنصر الرسل بالله واستفتحت الأمم على نفسها إذ قالوا: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} فاستجاب الله دعوتهم ونصر المؤمنين: {وخاب كل جبار} لا يخضع لأوامر الله: {عنيد} لا يصغي للحق ويصر على مخالفته: {من ورائه} أي وراء حياة الجبار العنيد في الدنيا: {جهنم} يصلاها في الآخرة: {ويسقي} فيها: {من ماء} مخصوص لا كالمياه المعهودة بل هو مكون من: {صديد} وهو القيح الذي يسيل من الجرح المتعفن: {يتجرعه} أي يتناوله على دفع متعددة: {ولا يكاد يسيغه} الإساغة: إجراء الشراب في الحلق بقبول النفس واستطابة المشروب والمعنى أن ذلك الجبار العنيد بتجرع الصديد على مضض وكراهة مرغمًا تحت تأثير العطش الشديد: {ويأتيه الموت من كل مكان} أي إنه يعالج من الآلام الشديدة التي يشعر بها في كل جزء من أجزاء جسمه ما يظنه سكرات الموت الذي هو نهاية الشدة وخاتمة المآسي ويؤمل بعده الراحة: {وما هو بميت} أي وإذا به لم يمت: {و من ورائه عذاب غليظ} أي ولم يكد ينتهي من عذاب إلا ويعقبه ما هو أشد وأشق منه. أجارنا الله من ذلك بفضله ورحمته إنه أرحم الراحمين وهو على كل شيء قدير.
بعد أن ذكر سبحانه ما سيلاقيه كل جبار عنيد من أنواع العذاب يوم القيامة أراد أن ينبه الأفكار إلى خطأ الكافر في اعتماده على ما قدمه من أعمال صالحة في حياته إذ صور تلك الأعمال على حقيقتها وضرب بها مثلًا فقال: {مثل الذين كفروا بربهم} ولم يؤمنوا برسله ولم يصدقوا بما جاء في كتبه عن البعث والحساب والجزاء والعقاب: {أعمالهم} هذا بدل من قوله مثل الذين كفروا والتقدير مثل أعمالهم والخبر قوله: {كرماد} وهو ما يبقى من المواد المحترقة وإنما شبهت أعمال الكفار بالرماد لأنه لم يقصد بها وجه الله فلا ثواب لها عنده والرماد أيضًا لا نفع فيه فإنه مهما كثر وتزايد حتى أصبح كالجبال لا يلبث أن يزول إذا: {اشتدت به الريح في يوم عاصف} ولذلك فهم: {لا يقدرون} الاحتفاظ بشيء: {مما كسبوا} من الأعمال التي قدموها تقربًا لأصنامهم أو