وعمرًا مديدًا بمحض كرمه فلا راد لفضله، والإنسان الخامل الذي يقضي نظام القدر في حقه أن يعيش مثلًا في بؤس ونكد قد يمحو الله بؤسه ويهبه من الرزق ما يحول حاله إلى أحسن حال من السعادة، ورغد العيش نتيجة صدقة تصدق بها أو دعوة تقبلها الله منه أو غير ذلك، والرجل الذي تتوفر الأسباب التي تقضي بموته قد يوقف الله مفعولها ويبطل تأثيرها ويثبت له عمرًا جديدًا لسبب خفي كعمل بر أو صلة رحم مثلًا كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر» وفي الصحيح «إن صلة الرحم تزيد في العمر» فالمحو والإثبات فيما كتب عن مثل هذه الآجال والأحوال هو حق من حقوقه جل وعلا دون أن يكون في ذلك أي مساس بما في علم الله من الأزل بكل ذلك ولذا قال: {وعنده أم الكتاب} أي الذي دون الله فيه جميع ما يعلمه من أحوال العباد وخاتمة أمرهم من قبل خلقهم وهو الحق الذي لا تبديل فيه ولا تغيير فهو سبحانه إذ دوَّن في علمه مثلًا أن عبده فلانًا سيذنب دوّن فيه إلى جانب هذا أنه سيستغفر أو لا يستغفر وأنه سيتقبل توبته أو لا يتقبلها وأنه سيكون سعيدًا أم شقيًا مؤمنًا أم كافرًا والخلاصة فإن ما في علم الله أمر منزه عن التغيير أما أحكام الله القدرية التي تترتب عليها الآجال فإنها عرضة للتغيير والمحو والإثبات بحسب ما أخذ الله على ذاته العلية من العدل أو الرحمة وإجابة الدعاء.
بعد أن أخبر الله رسوله بأن من الأحزاب من ينكر بعض القرآن ويؤوله على هواه وأمره أن يقرر القاعدة الأساسية التي أنزل القرآن من أجلها ونهاه عن اتباع الأهواء وفند شبه الأحزاب التي يتذرعون بها في عدم الاعتراف برسالته والطعن فيه التي منها عدم نصر الله له عليهم ورد على ذلك بما تقتضيه سنن الله في أمثالهم من قبل وأنه تعالى جعل: {لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} أخذ يطمئنه بنجاحه في دعوته ويؤكد له نصر الإسلام وخذلان الكافرين سواء في عهده صلى الله عليه وسلم أم بعد وفاته فقال: {وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك} أي سواء أريناك بعض الذي نعدهم به من العذاب والخذلان أو توفيناك قبل أن تراه: {فإنما عليك البلاغ} أي فالمهم هو أن تؤدي ما أمرت به من التبليغ وما عليك بعد هذا ماذا يكون من أمرهم، أأسلموا ونالوا ثواب إيمانهم أم كفروا وحل بهم العذاب: {وعلينا الحساب} إذ نجزي كلًّا بعمله: {أو لم يروا} أي أولئك المعاندون ما لنا في الخلق من سنن وما يحدث في الدنيا