الصفحة 1315 من 1760

يقيك من عذابه، وهنا تصدى الله جل جلاله لتفنيد بعض شبه الأحزاب التي يتذرعون بها في عدم الاعتراف برسالته أو الطعن فيه صلى الله عليه وسلم فقال: {ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك} بمثل ما أرسلت به: {وجعلنا لهم أزواجًا وذرية} فلم يتخذ الناس من ذلك سببًا في الطعن في رسالتهم فما بال قومك يعيبون عليك كثرة الزوجات ويقولون لو كان رسولًا من عند الله لما كان مشتغلًا بأمر النساء بل كان معرضًا عنهن مشتغلًا بالنسك والتوحيد وفاتهم أن الرسالة عن الله لا تستلزم انقطاع الرسول أو الداعي بدعوته عن ملذاته الطبيعية كبشر بل إنه كمشرع ومعلم وقدوة للناس يجب أن لا يحرم نفسه من التمتع بنعم الله ولا ينتهي إلا عما هو محرم عليه: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} أي وكذلك ما كان لهم أن يعيبوا عليك عدم إتيانك بشيء من خوارق العادات التي طلبوها منك وهم يعلمون أن الرسل السابقين لم يزعموا لأنفسهم المقدرة على خرق العادات بل إنهم جاؤوا بمعجزات خاصة صرحوا بأن الله أذن لهم بها لتكون برهانًا على رسالتهم عنه وما دام الأمر كذلك فلا يطعن في رسالتك أن الله لم يأذن لك بالإتيان بشيء من خوارق العادات بعد أن منحك معجزة العلم التي أخضع بها الملائكة لأبيك آدم من قبل وجعل من شخصك وسيرتك ما يثبت رسالتك عنه وجعل القرآن الذي أنزل عليك هدى للعالمين إلى ما فيه سعادة الدارين وخير الحياتين وكفى بذلك معجزة لك عند قوم يعقلون: {لكل أجل كتاب} الأجل المدة المضروبة للشيء والكتاب اسم الصحيفة وما كتب فيها من أحكام وأقدار أي أن الله قد سن للآجال دستورًا ربط فيه المسببات بالأسباب والغايات بالمقدمات وجعل بمقتضاه هلاك الأمم والأفراد موقوفًا على بلوغهم في الضلال والطغيان غاية يستحقون معها ذلك الهلاك فلا يطعن في رسالتك عدم نزول العذاب بهم عند طلبهم له ولا تأخر نصرة الله لك إلى نهاية الأجل المضروب للهلاك فتأخر المواعيد لا يدل على كذبك فيما تخوفهم به من الخذلان ونصر دين الله: {يمحو الله ما يشاء} أي يزيل الله في هذه الكتاب من الآجال بمقتضى الأحكام القدرية المرتبطة بالأسباب ما يشاء محوه: {ويثبت} بسكون الثاء وكسر الباء وقرئ بفتح الثاء وتشديد الباء من الآجال والأحكام ما يشاء إثباته فإليه يرجع الأمر كله، وهؤلاء الكفار الذين نضيق بهم أيها الرسول ذرعًا وتدعو عليهم وتؤدي أعمالهم إلى الهلاك ويتعرضون للموت وسوء الخاتمة بمقتضى سنن الله وحسب نظام القدر قد ينجيهم الله من ذلك ويكتب لهم الهداية ويهبهم حياة سعيدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت