أنه: {زين للذين كفروا مكرهم} أي أن الشيطان قد استحوذ على نفوس الذين كفروا فحبذ إليهم التصلب لآرائهم وتقليد آبائهم فيما وجدوهم عليه من ضلال أو عدم تحكيم عقولهم فيما جئتهم به من الآيات البينات: {وصدوا عن السبيل} أي حالوا دون الناس ومعرفة الحق: {ومن يضلل} بأن يدعه يسلك السبيل الذي سنه تعالى للضلال الذي هو الإعراض عن الحق وإتباع النفس والشيطان وتقليد الآباء: {فما له من هاد} أي فليس في استطاعة أحد أن يرسم له سبيلًا للهداية غير ما رسمه الله لها من الإيمان بالله واتباع الرسل والاهتداء بما جاء في الكتب المنزَّلة من عنده أولئك: {لهم عذاب في الحياة الدنيا} إذ يعانون فيها مختلف المصائب ومنغصات العيش نتيجة عدم اتباعهم لتعاليم القرآن التي جعل الله فيها أكبر ضمان للسلام العالمي والسعادة في هذه الحياة فقد قال تعالى: {من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} : {ولعذاب الآخرة أشق} من عذاب الدنيا: {وما لهم من الله من واق} أي ليس لهم من حافظ يعصمهم من عذاب الله في الدنيا ويجعلهم في أمان على أنفسهم ودوام النعم عليهم وليس لهم في الآخرة من يملك حق الشفاعة عند الله حتى يقيهم من عذابه.
بعد أن حدد الله لرسوله مهمته التي عهد بها إليه وهي مجرد تلاوة ما أوحي به إليه للناس كما كانت مهمة الرسل السابقين لمن كان قبلهم من الأمم وأخبره بما يعلمه تعالى من كفر قومه حتى بإثبات صفة الرحمة له جل وعلا ورسم له طريق الدعوة حيث أمره بتقرير حقيقة التوحيد وإثباتها للناس عن طريق العقل والمنطق الصحيح والتدبر في آيات الله وسنن الكائنات فذلك خير من الإيمان الذي يأتي عن طريق التلويح بخوارق العادات ثم توعد الكافرين بالعذاب في الدنيا والآخرة أردف ذلك بذكر ثواب المتقين في الآخرة فقال: {مثل الجنة التي وعد المتقون} بها يوم القيامة ليس هو كمثل جنات الدنيا بل تمتاز عنها بصفات ثلاث الأولى:
قوله: {تجري من تحتها الأنهار} أي أنها تجري من تحت الجنان بخلاف جنات الدنيا فالأنهار تخترقها وتجري خلالها والإنسان متى أراد التمتع بمنظر الماء سعى إلى حافة النهر كما انه إذا أراد الحصول على نوع من أنواع الفاكهة سعى إلى الشجرة فأخذها منها ولكن أنهار الجنة ترى في كل موضع في الجنة كما أن الثمار فيها قطوفها دانية تتدلى إلى الشخص وهو في مكانه من غير تعب ولا جهد، والصفة الثانية قوله: {أكلها دائم} أي أن أنواع الطعام ميسور وموجود في جميع الأوقات لا