الصفحة 1311 من 1760

أولئك الرسل: {لتتلو عليهم} هذا القرآن: {الذي أوحينا إليك} به: {وهم يكفرون بالرحمن} أي والحال أنه بلغ بهم الكفر حدًّا أبوا معه أن يعترفوا لنا بأبرز صفاتنا وهي الرحمة التي لولاها لخسفنا الأرض بهم عندما قلت لهم في صلح الحديبية اكتبوا باسم الرحمن الرحيم فقالوا أما الرحمن فلا نعرفه فقلت اكتبوا ما تريدون فكتبوا باسمك اللهم كما كانت عادتهم من قبل: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن} : {قل} أيها الرسول: {هو} أي الرحمن الذي أدعوكم لعبادته: {ربي} وربكم الذي خلقني وخلقكم: {لا إله إلا هو} الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد لا رب غيره ولا معبود سواه: {عليه توكلت} أي فوضت إليه جميع أموري فهو المتصرف في جميع الكائنات كيف يشاء: {وإليه متاب} أي الذي يرجع إليه الناس بالتوبة فيقبلها ويعفو عن السيئات وهو وحده الذي يفرّج الكروب ويحقق الغايات أي أقنعهم بحقيقة التوحيد عن طريق العقل والتدبر في آيات الله فذلك أثبت في النفس من الإيمان بالله عن طريق خوارق العادات التي قد يعتريها الشك والالتباس على ممر الأيام: {ولو أن قرأنًا سيرت به الجبال} أي ولو أن مشيئة الله الأزلية قد قضت بأن يكون للكتب السماوية السابقة المنزَّلة من عنده من الخواص ما يجعل الجبال تسير من مكانها بسر تلاوتها باعتبارها من كلام الله: {أو قطعت به الأرض} أي أو أن الأرض تنشق وتجري بها الأنهار عيونًا بسر تلاوتها أيضًا: {أو كلم به موتى} أي أو أن الأموات تحيى وتجيب سائليها عند سماعها إذن لكان لهذا القرآن مثل ما كان لسابقيه وجعلكم تؤمنون به لمجرد سماعكم لآياته ولكنه تعالى لم يشأ ذلك بل شاء أن يكون تشريعًا للناس يهتدون به إلى سبل الخير والشر عن طريق تحكيم العقل لا أن يضطرهم إلى الهدى فقط كلا ثم كلا: {بل لله الأمر جميعًا} فهو سبحانه الذي خص ما شاء بما شاء من المزايا والثمرات وجعلهم أحرارًا في عقائدهم وأعمالهم: {أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا} أي ألم ييأس المؤمنون من هداية الناس أجمعين بعد ما علموه من أن الأمر لله جميعًا وأنه تعالى قد شاء للناس أن يكونوا أحرارًا في عقائدهم ولو شاءهم مقهورين على الطاعة ومسخرين للهدى لهداهم أجمعين وأن القرآن ما أنزل إلا للتشريع والعمل بمقتضاه لا لأن يكون فيه من الأسرار ما يحمل الناس على الهدى وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن مهمته إلا محصورة في مجرد تبليغ ما أوحى به إليه وأن من مقتضى ما ذكر أن يهتدي من الناس من شاء لنفسه الهداية ويظل في الضلال من رفض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت