الدنيا قد سن دستورًا: {يبسط} أي يوسع بمقتضاه: {الرزق لمن يشاء} البسط من عباده بالسعي لكسبه بمختلف الوسائل والتفكير في اكتشاف شتى الطرق لتنميته واتساع دائرته: {ويقدر} أي ويضيق على من أراد لنفسه التضيق بالبطالة والكسل وعدم السعي أو الاكتفاء بالعمل المحدود، ولا دخل في ذلك لإيمان الناس أو كفرهم: {وفرحوا} أي من بسط الله لهم الرزق: {بالحياة الدنيا} التي لا تستحق الفرح لأنها وكل ما فيها من الملذات قصير الأجل: {وما الحياة الدنيا في الآخرة} أي والحال أن الحياة الدنيا بالنسبة للحياة الأخرى ما هي: {إلا متاع} وهو ما ينتفع به انتفاعًا قليلًا غير باق: {ويقول الذين كفروا} بالله وما جاء به الرسل وأفسدوا في الأرض: {لولا أنزل عليه آية من ربه} تقهرنا على الإيمان به والاهتداء بهديه إن كان هو حقًّا رسول الله وقد أمر الله ورسوله أن يجيب على هذا أيضًا بقوله: {قل إن الله} الذي منح لعباده الحرية في النية والقول والعمل قد قضى في دستوره أنه تعالى: {يضل من يشاء} الضلالة لنفسه بالإعراض عن القرآن الذي أنزله الله هدى للعالمين: {ويهدي إليه} أي يرشد إلى سلوك سبل الخير التي تستجلب رضاه كل: {من أناب} أي رجع عن ضلاله وناب عن ذنوبه وهؤلاء هم: {الذين آمنوا} بالله: {وتطمئن قلوبهم بذكر الله} أي تخشع قلوبهم عند تلاوة كلام الله: {ألا بذكر الله لتطمئن القلوب} أي أن الله قد جعل للقرآن تأثيرًا في قلوب المؤمنين لما يضفيه عليها من نور الإيمان بالله والثقة بعظيم كرمه ووافر رحمته والعمل بما يرضيه فهم في بشر دائم وسعادة مستمرة لثقتهم بما وعدهم به الله في قوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم} في هذه الحياة الدنيا: {وحسن مآب} أي مرجع في الآخرة التي أخبرنا عنها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» .
بعد أن أعلن الله لعباده أنه يرزق الجميع بمحض كرمه وفق دستور سنه لذلك وأنه لم يجعل من الرزق وسيلة للتأثير عليهم ليؤمنوا به فلا علاقة لأحدهما بالآخر كما أن أمر الهدى والضلال عائد إليهم أيضًا وفق دستور خاص يعود لهم أمر تطبيقه وبين ما أعده من جزاء لكل من المؤمن والكافر أخذ يوضح لرسوله موقفه من قومه وموقفهم منه والمهمة التي عهد بها إليه لئلا يشعر بالقصور فيما إذا لم يستطع هدايتهم فقال: {كذلك أرسلناك} كما أرسلنا من قبلك من الأنبياء: {في أمة قد خلت من قبلها أمم} تلاشت وحلت بدلًا منها أمتك التي هي آخر الأمم وأنت أحد