بعد أن بيّن الله الفارق العظيم بين من علم بأن ما أنزل على رسوله هو الحق فاهتدى به وعمل بمقتضاه ومن عمي عن إدراك ذلك فظل سابحًا في ظلمات الجهل والضلال وقال: {إنما يتذكر أولوا الألباب} وصفهم بتسع صفات الصفة الأولى قوله: {الذين يوفون بعهد الله} الذي عاهدهم به حين كانوا في صلب آدم وجعله سجية وطبعًا فطريًا لهم وهو أن يعترفوا بتوحيد الربوبية كما أخبرنا الله عن هذا بقوله: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} الصفة الثانية قوله: {ولا ينقضون الميثاق} الذي قطعه الله على ذاته العلية وجعل للناس حق الخيار في التزامه أو عدمه وهو ما جاءت به كافة الرسل من توحيد الألوهية وطاعة الله وقد أشار إليه تعالى بقوله لآدم في سورة البقرة: {فأما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} وفي سورة طه: {فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى} الصفة الثالثة قوله: {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} من حبال الود بين ذوي الرحم خاصة والمؤمنين عامة وذلك بالإحسان إليهم والشفقة عليهم ونصرتهم وإفشاء السلام وعيادة المرضى ومراعاة حق الأصحاب والجيران والخدم إلى غير ذلك مما يؤدي لتضامن الأمة ووحدة كلمتها، الصفة الرابعة قوله: {ويخشون ربهم} الخشية خوف ناشئ عن معرفة وعلم ويقين بما يخشى منه أي أنهم يؤمنون بقدرة الله على إيقاع الأذى بهم فيخشون أن يحل بهم عذابه في كل وقت مما يؤدي إلى تجنب كل ما لا يرضيه، الصفة الخامسة قوله: {ويخافون سوء الحساب} الخوف توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة كما أن الرجاء توقع أمر محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة أي أنهم يخافون سوء الحساب ولهم شيء من الأمل في نجاتهم منه برحمة الله، الصفة السادسة قوله: {والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم} الصبر حبس النفس عن نيل ما تحب أو على تحمل ما تكره نزولًا على أمر الله وطمعًا في رضاه، والصفة السابعة قوله: {وأقاموا الصلاة} أي أدوها بأركانها وواجباتها على وجهها المطلوب من التوجه إلى الله بالقلب وخشوع الجوارح، والصفة الثامنة قوله: {وأنفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية} أي أخرجوا جانبًا مما أنعم الله به عليهم من الأموال ابتغاء مرضاة الله سرًّا فيما بينهم وبين أنفسهم وعلانية على مرأى ومسمع من الناس وسواء كان ذلك الإنفاق واجبًا كالزكاة والنفقة على الزوجة والولد والأقارب أم مندوبًا كالذي ينفق على الفقراء