الصفحة 1307 من 1760

{كذلك يضرب الله الأمثال} التي يوضح الله للناس ما أشكل عليهم من الفوارق بين الحق والباطل والإيمان والكفر ومزية كل منهما قال صلى الله عليه وسلم: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا وأصابت طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به ونفع به فعلم وعلَّم ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» .

{للذين استجابوا لربهم} أي آمنوا به وبرسله وصدقوا ما أنزل عليهم من ربهم فاتبعوهم فمثلهم كمثل الماء الجاري في طريقه الذي رسمه الله للنفع، جزاؤهم: {الحسنى} أي المثوبة التي وعد الله بها عباده العاملين في الجنة ونعيمها الدائم، جعلنا الله منهم بكرمه: {والذين لم يستجيبوا له} أي لم يؤمنوا به ولم يصدقوا رسله وأبوا الانقياد لأوامره فمثلهم كمثل الزبد الذي يطغى على أصله ويتخبط في سيره لا يلبث أن يخمد ويتلاشى ويحرم من ثواب الطاعة ويستحق العذاب: {لو أن لهم ما في الأرض جميعًا} من أنواع الثروة: {ومثله معه لافتدوا به} أنفسهم من ذلك العذاب ولكنه لا فداء: {أولئك لهم سوء الحساب} إذ يناقشون على الجليل والحقير بلا هوادة ولا رحمة: {ومأواهم} بعد الحساب: {جهنم وبئس المهاد} المهاد: الأرض المنخفضة أي يظلون في طبقات جهنم، وهنا أشار جل جلاله إلى أن ما يناله كل من الفريقين لم يكن حكمًا تعسفيًا بل هو مبني على قواعد عقلية وسنن مضطردة لأنه تعالى لا يصدر في جميع أحكامه إلا عن حكمة تتفق مع مقتضى العدل فقال: {أفمن يعلم} بما آتاه الله من نعمة العقل فأدرك: {أنما أنزل إليك من ربك الحق} الذي يضمن سعادة الناس في دنياهم وآخرتهم ولذلك نراه يسير في الحياة على هديه ويحرص كل الحرص على تطبيق أحكامه ليصل إلى السعادة التي رسم طريقها رب العزة: {كمن هو أعمى} البصيرة وهو من لا يحكم عقله فيما أنزل إلى الرسول أهو حقًّا من عند الله أم لا ويظل سابحًا في ظلمات الجهل والضلال وقد سمى الله الكافر أعمى لأنه لو كان ذا بصيرة حقًّا لتلا كلام الله وتدبر آياته واهتدى بها فإعراضه عن ذلك دليل على عماه ولذا ختم الله الآية بقوله: {إنما يتذكر أولو الألباب} أي لا يعتبر بهذه الأمثال ويتعظ بها إلا أصحاب العقول السليمة والآراء الصائبة لا من هو كالحيوان الأعجم سليم النظر فاقد العقل والتفكير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت